معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ٢٣٥

قلنا: هذا مسلَّم في لفظ الْحَياة، فما تصنع بقوله: ﴿ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ فإِنَّه خبر لا يقبل التمثيل أصلا، وَإِلاَّ لتوجَّه احتمال التمثيل في جَمِيع الأخبار الإلهية وهذا باطل؛ إذ لو صحَّ لالتبس الْحَقُّ بالباطل والصدق الكذب، تَعَالَى الله عما يقول الْمبطلون علوًّا كبيرا، فهم كما أخبر رَبُّنا عنهم قطعا.

أَمَّا قوله: "لأنَّ ذَلِكَ يوجب أن يكون جَمِيع الأنبياء بل جَمِيع الْمُؤْمِنين أحياء في الوقت والأمر بِخِلاَف" فنحن لا نُسَلِّم به بوجوه:

أَحَدُها: أَنَّه قد وردت أخبار بثبوت الْحَياة للأنبياء بعد موتهم، وكذَلِكَ /399/ الْمُؤْمِنون؛ لأَنَّ التنعيم لَهُم إِنَّمَا يكون لِحياة ناموا فيها نومة العروس.

وَثَانِيها: أنا نقتصر عَلَى النص، فقد أخبرنا رَبّنا بِحياة الشهداء عَلَى الوصف الْمَذكُور، فنحن لا نزيد عَلَى ذَلِكَ الإخبار بنفس القياس؛ لأَنَّ الأمر غيب، والإخبار بالمغيبات بنفس القياس كذب صريح.

وَثَالِثُهَا: يَحتمل أن تكون هَذِه الْخُصوصيَّة للشهداء مكافأة لَهُم عَلَى بذلهم أنفسهم لإظهار دين الله وإعلاء كلمته، ولا يلزم من ذَلِكَ تفضيلهم عَلَى الأنبياء؛ لأَنَّ المفضول قد يَختصّ بِمزية لا تكون للفاضل.

وأَمَّا قوله: "فلو كانوا أحياء في الْحَقِيقَة، لوجب أن يراد ب«عند» مكان «لديه»" فغير مسلَّم به؛ لأَنَّها نظير قوله تَعَالَى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾، فلو لزمت الْمَكَانية هنالك للزمت هاهنا، ومن الْمَعلُوم أَنَّها كناية عن علو الْمَكَان ورفع الشأن، وكما صحَّ تأوّل «عند» بالْحكم في قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ صحَّ تأوّلها بعلوِّ الْمَكَان ورفع الشأن في الآيتين، بل هي في هذا أظهر وأقرب إِلَى الْمَعنَى الحقيقي، وَاللهُ أَعلَم.

٢٬٨٠٧ / ٣٬٧٥٢