معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ٢٦٥

وقال الشافعي: إذا كانوا بأرض شديدة يلحد لَهم، وإن كانوا ببلد رفيق شقَّ لَهم، واستحسنه ابن الْمُنذر وأبو سعيد، لكن قال أبو سعيد: إن أمكن الاحتيال للحد بالحجارة أو الألواح كان حسنا، وقد يفعل ذَلِكَ أهل الأمصار، واستدلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيث ابن عَبَّاس أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللَّحدُ لَنَا، وَالشّقُّ لِغَيْرنَا»، وفسّر قوله «لنَا» أي: الْمُسلِمين. وقال العراقي: الْمُرَاد «بِغَيرِنَا» أَهل الكتاب كما ورد مصرَّحا به في بعض طرق الْحَدِيث: «وَالشّقُّ لأَهلِ الكِتَابِ».

وَقِيلَ: معناه اللحد الذي هو يَختاره والشقّ اختيار من كان قبلنا، وفي هذا كُلّه دليل عَلَى كراهية الشقّ حال الاختيار.

وردَّ: بأنَّ الْحَدِيث دالٌّ عَلَى فضيلة اللحد، وليس فيه نَهي عن الشقّ؛ لأَنَّ أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان يَصنعه، ولأَنَّه لو كان منهيا عنه لَما قالت الصحابة: أيهما جاء أَوَّلا عمله، /446/ وذَلِكَ أَنَّه كان بالْمَدينَة رجلان أَحَدُهُما يلحد والآخر لا يلحد، فقالوا: أيهما جاء أَوَّلا عمل عمله، فجاء الذي يلحد فلحد لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَاللهُ أَعلَم.

الأمر الثالث: في الوضع الذي يُحفر فيه القبر

وذَلِكَ: إِمَّا أن تكون للمسلمين هنالك مقبرة وهي ما اجتمع فيها ثلاثة قبور فصاعدا اعتبارا بأقلّ الْجَمع، وَإِمَّا أَلاَّ تكون مقبرة. فإن كَانَت مقبرة فإِنَّه يَجُوز لَهُم أن يحفروا فيها لِمَيِّتهم؛ لأَنَّ القاعدة فيها الإباحة لذَلِكَ إِلاَّ ما عرف أَنَّه لقوم مَخصُوصين دون غيرهم فلا يحفرون فيها إِلاَّ بإذنهم، ومن وجد في الْمَقْبَرَة قبرا مَحفورا جاز أن يدفن فيه إن لَمْ يعلم أَنَّه نزع منه مَيِّت آخر، وإن كان حفره قوم لِمَيِّتهم فدفنوا فيه فإِنَّهم يعطون أجرة من حفره.

٢٬٨٣٧ / ٣٬٧٥٢