الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٧١وهو: رفعها عن الأرض فوق الْمسنون تعظيما لَهَا، وهو منهيّ عنه لِحديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عَلي: ألاَ أَبعَثُكَ إِلَى مَا بَعَثَنِي إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : «ألاَّ تَدَعَ تِمثَالاً إِلاَّ طَمَستَهُ، ولاَ قَبْرًا مُشرفًا إِلاَّ سَوَّيتَهُ»، وَلَعَلَّ الْمعنى بالتسوية إزالة تشريفه حَتَّى يساوي غيره من الْقُبُور.
وَقِيلَ: يهدم إِلَى الأرض تغليظا وزجرا، وهذا أقرب إِلَى لفظ التسوية.
وقد تقدّم أن التسنيم عِندَنَا مستحبّ؛ لأَنَّه مسنون، وليس ذَلِكَ بالتشريف الْمَنهِيّ عنه؛ لأَنَّ التسنيم رفعه عن الأرض قدر شبر، ويكره ما فوق ذَلِكَ. وقال ابن الْهمام: هذا الْحَدِيث مَحمول عَلَى ما كانوا يفعلونه من تعلية الْقُبُور بالبناء العالي، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر العاشر: في البناء عَلَى الْقُبُور
وهو منهيٌّ عنه؛ لِحديث جابر قال: «نَهى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُجصَّص القبر وأن يبنى عَلَيهِ وأن يقعد عليه». /456/
قالوا: والنهي في البناء للكراهية إن كان في ملكه، وللحرمة إن كان في الْمَقْبَرَة المسبلة، ويجب الهدم وإن كان مسجدا؛ لأَنَّه أشد من التشريف الذي أمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بتسويته، وَإِنَّمَا نُهي عنه؛ لأَنَّه من صنيع أهل الجاهلية، فإِنَّهم كانوا يظللون عَلَى الْمَيِّت إِلَى سنَة، ورأى ابن عمر عَلَى قبر أخيه عبد الرحمن فسطاطا فقال: انزعه يا غلام، وَإِنَّمَا يظلُّه عمله. قالوا: وفيه إضاعة مال، وقد «نَهى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إضَاعته». واستثنى بعضُ قومنا الْخيمة إذا كَانَت لفائدة مثل أن يقعد القرَّاء تَحتها.
قال: وأباح السلف البناء عَلَى قبر الْمشايخ والعُلَماء الْمَشهُورين ليزورهم الناس ويستريحوا بالْجُلُوس فيه.