الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٢وأَمَّا النوع الثاني، وهو العائد إِلَى المعطى فأشياء /15/ أيضًا:
منها: أَنَّه ليس الْمَطلُوب من الأموال أعيانها وذواتها، فإن الذهب والفضة مثلا لا يُمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إِلاَّ في القليل، بل الْمَقصُود من خلقهما أن يتوسل بهما إِلَى تَحصيل المنافع، ودفع المفاسد، فالإنسان إذا حصل له من الْمَال بقدر حاجته كان هو أَولَى بإمساكه وإن شاركه سائر الْمُحتَاجين في صفة الْحَاجَة؛ لأَنَّه مُمتاز عَنهم بكونه ساعيا في تَحصيل ذَلِكَ الْمَال، فكان اختصاصه به أشد من اختصاص غيره، فإن فضل عن قدر الْحَاجَة اقتضت الْحكمة دفع جزء منه إِلَى مُحتَاج آخر، وَإِنَّمَا كان نصيب الْمَالك أكثر لاجتماع سببين: كسب الْمَال، والاحتياج إليه، وأيضًا فقلبه يُحِبُّه؛ لأَنَّه من عمل يده وَلَمْ يبق للفقير الآخر إِلاَّ سبب واحد وهو الاحتياج فقط، فكان نصيب الْمَالك منه أكثر لِهَذِه الْحكمة.
وَمِنهَا: أن الْحكمة في خلق الْمَال الانتفاع به ودفع الْحَاجَة، وإذا أمسك الغني الفاضل عن حاجته كان ذَلِكَ تعطيلا للمنافع وتضييعا للحكمة، فاقتضت الْحكمة الإلهية إيجاب إخراج هذا الجزء الْمَخصُوص.
وَمِنهَا: أن الفقراء عيال الله؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾، والأغنياء خزان الله؛ لأَنَّ الأموال التي في أيديهم أموال الله، ولولا /16/ أن الله تَعَالَى ألقاها في أيديهم ما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي ولا يَملك ملء بطنه طعاما، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفوا صفوا؛ فاقتضت الْحكمة أن يقول الْملك لخازنه: "اصرف طائفة مِمَّا في تلك الخزانة إِلَى الْمُحتَاجين من عبيدي".