معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ١٣

وَمِنهَا: أن الفقير لا يملك شيئا أصلا، فلو لَمْ يُصرف إليه نصيب من أموال الأغنياء بقي ضائعا؛ فاقتضت الْحكمة صرف ذَلِكَ إليه لدفع الْحَاجَة، والباقي عِندَ الغني كثير، فإن كانت حاجته أكثر من الباقي أمكن أن يتَّجر به حَتَّى يجبر ما أخرج، ويَحوز بذَلِكَ فضيلة الامتثال في الإخراج والسعي عَلَى العيال.

وَمِنهَا: أن الأغنياء لو لم يقوموا بمهمات الفقراء خيف عَلَى الفقراء من شدة الْحَاجَة اللحوق بأعداء الله؛ لأَنَّ الدنيا في أيديهم، ورُبَّمَا حملهم ذَلِكَ عَلَى الإقدام عَلَى الأفعال المنكرة كالسرقة وغيرها، فاقتضت الْحكمة دفع نصيب من أموال الأغنياء إليهم.

وَمِنهَا: أن الْمَال مَحبوب بالطبع، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر، وهما شطرا الإيمان لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الإيمانُ نِصفَانِ: نِصفُ صَبْرٍ، وَنِصفُ شُكْرٍ»، فكأَنَّه قيل للغني: أعطيتك الْمَال فشكرت فصرت من الشاكرين، فأخرج من يدك /17/ نصيبا منه حَتَّى تصبر عَلَى فقدان ذَلِكَ المقدار فتصير بسببه من الصابرين، وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين، ولكني أوجب عَلَى الغني أن يصرف إليك طائفة من ذَلِكَ الْمَال حَتَّى إذا دخل ذَلِكَ المقدار في ملكك شكرتني فصرت من الشاكرين، فكان إيجاب الزكاة سببا في جعل الصنفين موصوفين بصفتي الصبر والشكر.

وَمِنهَا: أن في إيجاب الزكاة جبر خواطر الفقراء بعد انكسارها بالنظر إِلَى الأغنياء، وذَلِكَ أن الغني إذا لَمْ يقبل منه الفقير كان ذَلِكَ مؤنة عَلَيهِ في التكليف، فتراه إن كان صادق الإيمان يعدو خلف الفقير، ويتلطَّف به ليقبل منه فكانت الْمنَّة للفقير عَلَى الغني، فلو قال الغني: قد أنعمت عليك بِهَذَا الدينار، قال الفقير: بل أنا الْمنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار، وفي الآخرة من عذاب النار.

٢٬٨٦٨ / ٣٬٧٥٢