معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٣١

وأَمَّا حديث الصفراء والبيضاء فعامّ مُخصَّصٌ بِما تقدَّم من احْتَجاج الْمُرخِّصين، فهو نَظِيرُ عُموم آيةِ الكَنْز، وأَمَّا حديث الكيّة والكيَّتَيْن فهو إخبارٌ عن وَاقعَتَيْن؛ فإن صحَّ الْخَبَر وجب أن يُحمَل عَلَى أَنَّهُما لَم يُؤدِّيَا ما وجبَ عَليهِما مِن حَقٍّ في ذَلِكَ، أو أَنَّهما اكتسبا ذَلِكَ من غير حِلِّه، كَالذي يغلُّ من الغنيمة قبل قسمها.

والْجَوَاب عن الثالث: أَنَّه أمرٌ عائدٌ إِلَى قَواعدِ الفَلسَفةِ، وقد وَرَدَ الشَّرعُ بِخِلاَفها، فلاَ مَجالَ للتَّحسِينِ والتَّقبِيحِ فِيما خَالَفهُ الشَّرعُ الشَّرِيفُ، بل الواجب الإذعانُ والتَّسلِيم.

وقد أباح الشَّرع تَملِيكَ الأموال إذا كانت من الْحلالِ ولو بلَغَت ما بَلغت، وهذا التَّوجيهُ يُحَرِّمُ ذَلِكَ فلا يُلتَفتُ إليه ولا يُعتَدُّ به، ولو كان التَّملُّكُ لِلقَدرِ الزَّائِد عَن الْحَاجَة حرامًا لَجازَ لِلمُحتَاج إِليه أَخذُه بِغير إِذن الْمَالكِ، وتَجويزُ ذَلِكَ بَاطلٌ قطعًا فبَطلَ الْمَلزُوم، وَاللَّهُ أَعلَم.

التنبيه الثاني: في توبة مُضَيِّع الزّكاة

وذَلِكَ أَنَّه يَلزمُه إذا تابَ أن يُخرِجَ ما كان عَلَيهِ من حقّ اللَّه تَعَالَى وحقوق عباده، ولا يَسعُه التَّغافُل عن شيء منها، فإن لَم يقدر عَلَى أداءِ ذَلِكَ جاز له أَن /39/ يأخُذ مِن زكاة النَّاسِ إذا أَعطَوْهُ، ويُؤدِّي ما كان عَلَيهِ من زكاة أو غيرها؛ لأَنَّه يكُونُ بِمَنزلة الغَارِم، وقَد جعل اللَّهُ للغارمين نَصيبًا في الزّكاة.

وَقِيلَ: لا يأخذ منها لذَلِكَ؛ لأَنَّ الغُرمَ خَاصّ بِحقوقِ العباد، وإن كان مُستحِلًا لِتَركها فهو بذَلِكَ مُشرك، وليس عَلَيهِ أداءُ ما مضى بعد رجوعه إِلَى الإسلام.

وقال أبو جابر: عَلَيهِ الزّكاة لِما مضى؛ لأَنَّه مُقِرٌّ بالْجُملَة، والزَّكاةُ دَاخِلةٌ فيها.

٢٬٨٨٦ / ٣٬٧٥٢