معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٣٣

ولَعَلَّ الْمُرخِّصين شبَّهُوا هذا العاصي الْمُسرف بالْمُشرِك بِجامع العصيان والإسراف عَلَى النّفس، وأنَّ التَّوبةَ جُبٌّ لِما قَبلها، كما أنَّ الإسلام جُبٌّ لِما قبله، ويُستَأنَسُ لذَلِكَ بأنَّ الْمَشقَّةَ تَجلُب التَّيسِير، وقد أُمِرنَا أن نُبشِّر ولا نُنَفِّر، وأَن نُيَسِّر ولا نُعسِّر، وأنَّ الْمُحدِثِين في زَمنِ الصَّحابةِ قد اكتَفَوا مِنهم بالتَّوبة من غير تضمينٍ لِما ضيَّعُوا، من غَيْر بَحثٍ عَن مُستحِلٍّ ومُنتَهك، وفيه أنَّ هذا يُوجِبُ اطِّرادُه في حُقوقِ اللَّهِ وحُقوقِ عِبَاده.

فيُجابُ: بأَنَّه يُمكن القائلين /41/ التزام ذَلِكَ، عَلَى أَنَّه قد قيل في الْمُتهَوِّر في حُقوقِ العباد أَنَّه لا غُرم عَلَيهِ إذا تاب كالْمُستحِلّ، وعلى كلِّ حالٍ فهَذِه رُخَصٌ مَبنِيَّةٌ عَلَى التَّيسيرِ والتَّبشِيرِ، ورحْمَةُ اللَّهِ وَاسعَةٌ، وعَفوُ اللَّهِ عَظيمٌ، والذي يقتَضِيه الدَّليلُ خِلاف ذَلِكَ، وَاللَّه أَعلَم.

الْمَسأَلَة السادسة: في فَضلِ إِخرَاج الزَّكاة

قال تَعَالَى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فلو لَم يَرِد فِي فَضلِ إِخرَاجِ الزَّكاةِ إِلاَّ هَذِه الآية لكانت كافيةً شَافيةً، فإِنَّها جَمَعت بَين خَصلَتَيْن عَظيمَتَيْن لِمُخرِج الزَّكاةِ:

إحداهما: أَنَّها تطهرهم من الآثام. والثّانية: استحقاق الدّعاء بالصّلاة عَلَى إخراجها، وذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. قال ابن عَبَّاس: معناه أدع لَهم.

قال الشافعي: والسُّنَّةُ للإمام إذا أخذَ الصَّدقةَ أَن يَدعُوَ لِلمُتصَدِّق، ويقول: آجرَك اللَّهُ في مَا أَعطَيْتَ، وبَاركَ لك في مَا أَبقَيت.

٢٬٨٨٨ / ٣٬٧٥٢