الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٣وقد قدَّم - سبحانه وتعالى - الوالدين؛ لأَنَّهما /49/ كالْمُخرِجُ له من العدم إِلَى الوجود في عالَم الأسباب، ثُمَّ ربَّياهُ في الْحَال الذي كان عَلَيهِ في غاية الضَّعفِ، فكان إنعامُهما عَلَى الابن أعظمُ من إنعام غيرهِما عَلَيهِ، ولذَلِكَ قال تَعَالَى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفيه إشارة إِلَى أَنَّه ليس بعد رعاية حقِّ اللَّه تَعَالَى شيءٌ أَوجبَ من رعاية حقِّ الوالدين؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إِلَى الوُجود في الْحَقِيقَة، والوالدان هُما اللَّذانِ أخرجاهُ إِلَى عالَم الوجود في عالَم الأسباب الظَّاهرة؛ فثبت أنَّ حقَّهُما أعظمُ من حقِّ غيرهِما فلهذا وجب تقديمها على غيرهما في رعاية الْحُقُوق، ثُمَّ ذكر تَعَالَى بعد الوالدين الأقربين؛ والسَّببُ فيه أنَّ الإنسان لا يُمكنه أن يقوم بِمصالِح جَمِيع الفُقراء، بل لابدّ وأن يُرجّح البعض عَلَى البعض، والتَّرجيح لابُدَّ له من مُرجِّح، والقرابةُ تَصلُح أن تكون سببًا للتَّرجيح؛ لأَنَّ القرابة مَظنَّةُ الْمُخالطة، والْمُخالطة سببٌ لاطِّلاع كلِّ واحد منهم عَلَى الآخر. فإذا كان أَحَدُهُما غنيًّا والآخرُ فقيرًا كان اطِّلاعُ الفقير منهم عَلَى غَنِيِّهم أتَم، وكذَلِكَ اطِّلاعُ الغَنِيِّ عَلَى الفقير، وذَلِكَ من أقوى العوامل عَلَى الإنفاق؛ ولأَنَّه لو لَم يُراع جانب قَريبِه احتاج الفَقيرُ للرُّجوع إِلَى غيره، وذَلِكَ عار في حقِّه، /50/ فناسب أن يتكفَّلَ بِمصالِحهم.
ولأنّ قريبَ الإنسان جارٍ مَجرَى الْجُزء منه، والإنفاقُ عَلَى النَّفس أَولَى من الإنفاق عَلَى الغير، ولأنّ الإنفاقَ عَلَى الرَّحمِ بِمَنزلة صدقةٍ وصِلَةٍ، كما في حديث سلمان بن عامر، وأَمَّا قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ابْدَأ بِمَنْ تَعُول»، فَلِلُزُوم ذَلِكَ، واللاَّزِمُ مُقدَّم عَلَى التَّنفُّل.