الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١١١وجاء عن ابن عبّاس: أنّ الزّكاة تَجب بنفس الْملك، فإذا حصل النّصاب في الذّهب والفضّة وجبت عليه الزّكاة من حينه، ثُمّ لا زكاة فيه إلى الْحول. فأين أبو مُحمّد من هذا البحر، وهو أعلم بالكتاب والسنّة، ولَم يشترط الْحول في أوّل مرّة، على أنّ أصحابنا لَم يطلقوا هذا الإطلاق وإنّما ضمّوا الفائدة إلى الأصل فقط.
وحجّتنا على ذلك: حديث أنس: أنّ أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له الفريضة الّتِي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرَّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، ففي هذا الْحديث ما يدلّ صريحا على أنّ الْمجتمع يضمّ بعضه إلى بعض، ولولا ذلك لزم تفريقه، وهو خلاف الْمشروع.
أمّا استدلال أبي مُحمّد بِحديث الْحول فمعارض بأحاديث النّصاب؛ ففي حديث أبي سعيد الْخدري أنّ رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، /132/ وَلَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذُودٍ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةٌ».
فإنّ ظاهر هذا الْحديث نافٍ لوجوب الصّدقة فيما دون النّصاب، وحديث أنس يوجبها في الْمجتمِع ولو كان لأناس كثيرين، ويُمكن أنّه لَم يملك أحدهم مقدار النصاب؛ فلما ثبت اعتبار الاجتماع اتفاقا وجب بقطع النّظر عن التّفريق في الْحول وغيره، والله أعلم.
ولَمّا كان الْمذهب ضمّ الفائدة إلى الأصل جرى التّفريع في كتبنا عليه. واختلف القائلون به في أمور:
أحدها: الفائدة تحدث بعد الْحول
فقيل: عليه أن يزكّيها مع الأصل ما لَم يكن قد أخرج الزّكاة إلى أهلها، حتّى قيل: لو بقي معه من الزّكاة درهم واحد حَمل عليه الفائدة.
وقيل: إذا ميّزها وأخرجها من ماله فليس عليه في الفائدة زكاة، ولو لَم يسلّمها إلى أهلها.