الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٦٥وذكر بعضهم: أنه حفظ أنَّ الأشياخ اجتمعوا فرأوا في رجل أطنى ثَمرة نَخله ثُمّ أتت عليها آفة وهي بُسر ورطب: أنّه ليس عليه فيها زكاة.
وقال آخرون: عليه الزكاة في ما جَمعه الْمصطاح. ومنهم من قال: في ما كيل، وأما ما لَم يكل فلا زكاة فيه.
قال أبو جابر: والقول الأول أحوط، وهو أحبّ إلَيّ.
وقال آخرون: عليه الزكاة في ما أطنى دون ما أكله ربّ الْمال وعياله، بسرا ورطبا.
ورووا ذلك عن سليمان بن عثمان عن هاشم بن الْمهاجر (وهو أبو الْمهاجر). وأخذت به أئمة من عمان من بعده -رحمة اللَّه عليهم جميعا-. /210/
وروى أبو إبراهيم عن الإمام أَنَّهُ كتب يعطي الْمُنير رزقه من زكاة الرطب، ويُخبر أنّها من زكاة الرّطب فأخذها، وأجاز ذلك أبو إبراهيم.
قال بعضهم: وهذا فيه احتياط؛ لأنَّ من أخذ بالاحتياط في ما اختلف فيه الفقهاء فقد احتاط لنفسه، والاحتياط بأهل الورع أولى.
وقد يكون للرجل الْمالُ الكثير الذي لا شكّ أنّ الزكاة تَجب فيه، فعلى ما عملوا به أَنَّهُ يؤخذ من كل عشرة دراهم. وهذا في ما تَجب فيه الزكاة بنفسه، أو بالْحَملِ على غيره.
وحجَّة القول الأول أشياء:
منها: قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، على قول من فسّر الْحق بالزكاة، وهو ابن عباس، وبه قال سعيد بن الْمسيب والْحسن وطاوس والضحاك.
وعورض بوجهين: أحدهُما: كيف يؤدِّي الزكاة يوم الْحصاد والْحبّ في السنبل؟
وثانيهما: أنّ هذه السورة مكيّة، وإيجاب الزكاة مدني.
أجيب عن الأول: أنه لَمّا تعذّر إجراء قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ﴾ على ظاهره -للمعنى الذي ذكرتُم- حَملناه على تعلّق حق الزكاة في ذلك الوقت، ويكون الأداء عند أول الإمكان، ففيه التنبيه على الْمسارعة.
وأجيب عن الثاني: بأنه لا نسلم أنّ الزكاة لَم تكن واجبة في مكَّة، وأنّ وجوبَها بالآية الْمدنية لا يَمنع وجوبَها /211/ في مكة؛ لأنَّ الفرض قد يتكرر نزوله، وقيل أيضا: إنّ هذه الآية مدنية.