الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٦٧فمفهوم هذه الأحاديث جواز بيعها بعد بدوّ صلاحها، وذلك يدلّ على أنه وقت دراكها؛ إذ لو لَم تدرك لَما جاز بيعها، وإذا ثبت أنَّها مدركة وجب تعلق حقّ الله فيها؛ لقوله عزّ من قائل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. ولو لَم تَجب الزّكاة ببدوِّ الصلاح لَما أمكن أخذ الصّدقة من أموالِهم إذا بيعت بعد بدوِّ الصلاح.
فإن قيل: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإن الأمر توجّه إليهم وقت الْحصاد.
أُجِيبَ: بأن هذا أمر بالأداء، فإنه يتعيّن حال الإمكان، وأما تعلق الوجوب فسابق على ذلك، فهو نظير قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فإنّ شهودَ الشهر حضور هلاله، ومن الْمعلوم أنّ الصوم لا يكون من حال رؤية الْهلال، وإنّما يكون بطلوع الفجر، فشهود الْهلال سبب لتعلّق الوجوب، وطلوع الفجر سبب لوجوب الأداء، وهو أوّل وقته.
وثانيهما: حديث الْخرص، وهو حزر ما على النخل من الرطب تَمرا، وذلك /213/ أنّ الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مِمَّا تَجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصا ينظر فيقول: يُخرج من هذا كذا وكذا زبيبا، وكذا وكذا تَمرا فيحصيه، وينظر مبلغ العشر فيثبته عليهم، ويُخلى بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الْجذاذ أخذ منهم العشر.
وقد جاء في حديث أبي حميد الساعدي قال: «غَزونا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك، فلمَّا جاءَ وادي القرى إذا امرأَة في حديقة لَها، فقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «اخْرِصُوا»، وخرصَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة أوسق، فقال لَها: «أَحْصِي ما يَخْرُجُ مِنْهَا»… -إلى أن قال:- فلما أتى وادي القرى، قال للمرأة: «كَم جَاءَتْ حَديقَتكِ؟». قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ».