الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٩٥وعند هؤلاء: أنّ من ترك الزّكاة يريد بِها قضاء دَينه في سنته فمضت السّنة ولَم يقض، فإنّ عليه زكاة تلك السّنة؛ لأنّه إنّما تزول عنه بالأداء في سنته، حتى قال أبو سعيد في من استفاد في تلك /252/ السنة فائدة وأتلفها: إنّ زكاة الفائدة تلزمه إذا كان التأخير من سوء فعله في نفسه، وتضييعه ما وجب عليه.
ولَم أجد لَهم فيها قولا غير هذا، والظّاهر أنه يَخرُج فيها وجه آخر، وهو:
أنّه لا زكاة عليه إذا نوى القضاء ولَم يفعله، إذ بنيّة القضاء ارتفع وجوب الزّكاة، والواجب إذا ارتفع لا يرجع إلاّ بسبب غير الأول، فهو نظير ما قالوه في من صلّى قصرا دون الفرسخين على نيّة السّفر فبدا له فرجع قبل أن يصل إلى حدّ السفر.
ولعلّهم لَم يذكروا هذا الوجه هاهنا؛ لئلا يتساهل النّاس بالزّكاة، فإنّ للمماطل أن يقول: أردتُ القضاء في سنتِي فلم يُمكنِّي ذلك لعذر حصل لِي، فحينئذ تكون له الْحجَّة على الْمسلمين وهو في نفسه مُماطل، فسدّوا هذا الباب واستعملوا الْحزم، حيث أخذوا بالتّحديد الْمذكور، فإنّه لو كان في إرادته صادقا لقضى قبل السّنة، فقد أعطوه من الْمُهلة ما لا يبقى معه في العادة عذر، ولِلَّه درّهم ما أقوى نظرهم، وأذكى فهمهم، وأغزر علمهم.
ثُمّ اختلفوا أيضا: في ما إذا لَم يكن الدَّين مُحيطا بالْمال، بل بقي منه شيء:
فقال بعضهم: إذا بقي أربعون درهَمًا أو قيمتها ففيه الزّكاة، وهو مقدار ما يزكّى بعد النّصاب.
وقال آخرون: /253/ إذا لَم يبق مائتا درهم من بعد الدّين فلا زكاة فيه، وهؤلاء ألغوا النّصاب الأول حيث أكله الدّين، واشترطوا في وجوبِها أن يبقى نصابا تامًّا؛ لأنّ من شرط الوجوب عندهم حصول النّصاب مع تَمام الْملك، ولَم يتم الْملك في النّصاب الأوّل حيث كان الدّين له شاغلا.