الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٩٤فمنهم من قال: إنّ الدّين رافع للزّكاة مطلقا كان من جنسها أو من غيره، وهو ظاهر قول سليمان بن يسار ومن بعده، فإنّهم قالوا في من عنده مال وغلّته قدر ما تَجب فيه الزّكاة، وعليه من الدّين مثله: إنّه لا زكاة عليه.
وقال آخرون: إنّ الدّين يرفع زكاة الذّهب والفضّة دون الثمار والْمواشي.
والظاهر أنّ التّجارة كالذهب والفضة؛ لأنّ الكلّ جنس واحد، وهو قول أكثر أصحابنا. وبه قال مالك والأوزاعي إذا استهلك الدّين الْمال.
وحفظ أبو صفرة عن الفقهاء في رجل عليه ألف درهم، وله ألف درهم، وله مال أصل قيمته عشرة آلاف درهم، أنّه لا زكاة في الألف الذي في يده؛ لأنّ عليه ألف درهم.
وأمّا أصحاب الرأي فإنّهم يوجبون الصدقة في ما أخرجت الأرض، وإن كان /251/ على صاحبها دين يُحيط بِماله، ويُسقطون الصّدقة عن سائر الأموال من الذهب والفضة والْمواشي إذا كان على مالكه دين يُحيط بِماله.
ثُمَّ اختلف أصحابنا: فقال الأكثر: إن الدّين مُسقط لزكاة الذّهب والفضّة كانت مضروبة أم حُليّا. وكتب إمام الْمسلمين غسان بن عبد الله - رضي الله عنه - إلى عبد الله بن شاذان في امرأة احتجّت في رفع زكاة حليّها بأنّ عليها دينًا: أنّ الْحُليّ ليس بِمنزلة الدّراهم فخذ منها زكاة الْحلي ولا تنظر في حجّتها.
ثُم اختلفوا من جهة أخرى في من عنده ورِق وعليه دين حالٌّ لا يريد أن يقضيه منه:
فقال علي بن عزرة: إنّ عليه أن يُزكّيه. وروى مسبّح عن أبي عثمان: أنّه لَم ير عليه شيئا، وكذلك روى خالد بن سعوة.
وقال مُحمّد بن مَحبوب: إن كان الدّين مُحيطا بالورق أو الدنانير وأراد أن يقضي دينه في تلك السّنة من ذلك الْمال فلا زكاة عليه. وإن كان لا يريد أن يقضيه في تلك السنة أخذت منه الزكاة.
قال أبو جابر: ولَعَلَّ هذا الرّأي أكثر، قال: وبه أخذ من أخذ من الأئمة.