الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٣٠٣وأمّا تأوّل الفرض بالتّقدير فضعيف مُخالف للظّاهر، وادّعاء على النّص بالْخروج عن الْمعهود فيه؛ لأنّهم لَم يَختلفوا في قوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ﴾ أنّ معناه: إيجاب من الله، وكذلك قولُهم: فرض الصّلاة والزّكاة، وفَرَض الله طاعة الله ورسوله.
واحتجّ أصحابنا من أهل الْمغرب بِحديث الأعرابي الذي جاء إلى النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن الإسلام فوصفه له حتّى قال له: "والزّكاة"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». قالوا: ولَم يذكر زكاة الفطر في فرائض الإسلام، فهي داخلة تَحت التّطوّع.
قالوا: وكذلك ظاهر حديث الرّبيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة أمّ الْمؤمنين قالت: «سَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ…» الخ. فإنّه يدلّ على أنّها سنّة لا فرض.
والْجواب عن الأوّل: أنّها داخلة في حديث الأعرابي؛ لأنّها زكاة، ولا يلزم ذكر أنواعها ذكر كلّ نوع بعينه، وقد اقتصر في الْحديث على الإجْمال في جَميع الْخصال.
والْجواب عن الثّاني: أنّ لفظ: «سنَّ» لا ينافِي الوجوب؛ إذ من الْمعلوم من السّنّة ما هو واجب إجْماعا، ثُمّ إنّ قوله: «عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ… الخ» ظاهر في معنَى الوجوب، والله أعلم.
الْمسألة الثانية: في أسباب الوجوب
وهي: شيئان، وعند أبي إسحاق ثلاثة، [وهي]:
السبب الأولى: الغِنَى
وقد اشترطه الأكثر منّا، وبه جزم أبو سعيد، وأبو إسحاق وغيرهُما. قال أبو سفيان: قال الربيع: إنّما الصّدقات للفقراء ليست عليهم، فالفقير ليس عليه عن نفسه، وعن عياله زكاة شهر رمضان إذا كانوا مُحتاجين فقراء، وهو مقتضى مذهب الْحنفية.
وقال آخرون: بوجوبِها على الفقير والغنِيّ، ونسب إلى أبي هريرة، وأبي العالية، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، ومُحمّد بن سيرين، وأبي ثور، ومالك بن أنس.