الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٣٦٥وَقِيلَ: إن أوصى أهله بذلك أخرجوا عنه، وإن وجدهم لَم يُخرجوا عنه أخرج ما لزمه، وهذا إنّما يظهر على رأي من لَم يقيّدها بوقت مَخصوص، ولابدّ من القيد كما مرّ. ثُمّ إنّ فيه مُخاطرة لا تَخفى، فالْحزم استعمال الأوّل.
وإن حضرته الفطرة في سفره ولَم يَجد ما يُخرجها منه وكان غنيّا في داره فإنّ بعضهم قال: تلزمه أن يُخرجها إذا رجع، وإن خاف الْموت أوصى، وإن لَم يَجد من يشهده كتب ذلك، وباللّزوم قال أبو الْحواري وغيره. وقال غيره: -ولعلّه أبو الْمؤثر– بعدم لزومها عليه؛ لأنّها حضرته في وقت لا يَجد ما يُخرجها منه.
والْحاصل: أنّ القائل باللّزوم نظر إلى حصول الأسباب، واعتبر الغنَى الكائن في بلده، ومن لَم يلزمه اعتبر الْحال الذي هو عليه، فإنّه في حكم الفقير الْمحتاج، ولَم ينظر إلى الْمال البعيد لتعذّر الانتفاع.
قيل لأبي الْحواري: إن أخرجها عنه في بلده وكيل له، أو بعض أولاده، أو بعض أقاربه مِن مَاله، أيكون مُجزئا عنه؟ قال: نعم، يُجزئ ذلك.
قيل له: وسواء أوصى أو لَم يوص؟. قال: كلّ ذلك سواء إذا صدّقه على ذلك. وكذلك /481/ قال أبو الْمؤثر. ثُم قال أبو الْحواري: فإن كان الْمخرج أخرجه مِن مَاله عن الغائب وصدّقه وأدّى ذلك إليه أجزأ، وإن لَم يؤدّ ذلك إليه لَم يُجزئ حتّى يؤدّيه، أو يُخرج زكاة نفسه. وَقِيلَ: إن أخرجت بغير أمره لَم يُجزئ عن فرضه؛ لأنّ الفرض لا يزول إلا بنيّة، وقد تقدم الْخلاف في هذا.
ولعلّ الْمرخّصين جعلوها بِمنزلة الدّين، وقد ثبت أنّ الدّين ينحطّ بقضاء الغير له، ولو لَم يأمره بذلك، كما دلّ عليه حديث الْخثعمية، والْمشدّدون فرّقوا بأنّ الدّين الْمعيّن من الناس فإذا صحّ قبضه له برئ منه الْمديون، ولو أبرأه منه من غير قبض برئ أيضا، والزّكاة لغير معيّن.
ولو أنّ فقيرا أو جَماعة من الفقراء مِمّن تعوّد الدّفع إليهم أبرأوه منها لَم يبرأ باتّفاق.