معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٣٦٩

والثاني: أن يكتسب الإنسان كمن يشتغل بتجارة، أو صناعة، فيدّخر منها مالا، وهذا الضّرب أيضا لا يُستغنَى فيه عن الْجد، فحظّ الْجدّ في الْمال أكثر من حظّ الكدّ، بِخلاف الأخلاق، والأعمال الأخروية، التِي حظّ الكدّ فيها أكثر، وقد نبّه الله –سبحانه– على ذلك بقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾، فاشترط في العاجلة مشيئته للمعطي، وإرادته للمعطى له، ولَم يشترط السّعي، واشترط في الآخرة السّعي لَها مع الإيمان، ولَم يشترط إرادته تَعالَى ومشيئته، ولو كان ذلك لا يعرى منها، فحقّ العاقل أن يعنى بِما إذا طلبه ناله، وإذا ناله لَم يَخف زواله، ويقلّل الْمبالاة بِما إذا قدّر له أتاه، طلبه أو لَم يطلبه، والله أعلم. /486/

الْمسألة الثانية: في سبب إقلال العاقل وإكثار الْجاهل

اعلم أنّ الْحكمة تقتضي أن يكون العاقل الْحكيم في أكثر الأحوال مقلّلا، وذلك لأنّه يأخذ كما يَجب من الوجه الذي يَجب، ثُمّ إذا ناله لَم يدّخره عن مكرمة تعنّ له، والْجاهل يسهل عليه الْجمع من حيث لا يبالِي فيما يتناوله بارتكاب مَحظور، واستباحة مَحجور، واستنزال النّاس عنها بالْمكر، ومساعدتِهم على ارتكاب الشّرّ طمعا في نفعهم، وكثيرا ما ترى من هو من جُملة الْموصوفين بقوله تعالى: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾، فبعضهم يغضب على الفلك، وبعضهم يغضب على القدر، وبعضهم يتجاوز الأسباب فيعاتب الله، وذلك لِحرصهم على ارتكاب الْمقابح، وجعلهم بِما يقيض الله لعباده من الْمصالِح، والله أعلم.

الْمسألة الثالثة: في اغترار الناس بِما في أيديهم

٣٬٢٢٤ / ٣٬٧٥٢