معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٣٧٢

وعن قزعة قال: قلتُ لابن عمر: إنّ لِي مالا، فما تأمرني إلى من أدفع زكاته؟، قال: ادفعها إلى ولِيّ القوم (عنى الأمراء) ولكن في مالك حقّ سوى ذلك يا قزعة.

ودليلهم قوله تَعالَى: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، وقوله تَعالَى: ﴿أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾، ومعناه: أنّه يَجب على الْموسر مهما وجد مُحتاجا أن يزيل حاجتَه، فضلا عن مال الزّكاة؛ وذلك لأنّ دفع الضّرورة عنه فرض كفاية، إن قام به البعض سقط عن الآخرين، إذ لا يَجوز تضييع مسلم، وقد أوجب الله حقّه على أخيه الْمسلم، ولأهل الدّرجة الأولى أن يقولوا: لا يلزمنا الادّخار لِحقّ لَم يَحضر بعد، وإنّما يلزمنا الإنفاق في الوقت الْحاضر، أمّا الْحقوق الغائبة فإنّ لَها وقتا تَجب فيه، فإن صادفت عندنا شيئا وجب علينا الدّفع فيها، وإن لَم تصادف شيئا ارتفع عنّا الْخطاب، وتوجّه إلى أهل اليسار دوننا، وقد كفينا مؤنة الادّخار، ورزقنا فضيلة الْمسارعة إلى الْخير، والإعراض عن الدّنيا.

الصنف الثالث: الذين يقتصرون على أداء الواجب، فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه، وهي أقلّ الرّتب، وقد اقتصر غالب الْمتمسّكين بالدّين عليها لبُخلهم بالْمال، وميلهم إليه، وضعف حبّهم للآخرة، وفي حقّ مثلهم قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾، /490/ ومعنَى: ﴿ فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يستقصي ويبالغ في أمركم بالإنفاق، يقال أحفى شاربه: إذا استأصله، فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأنّ له الْجنة، وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله.

فالصّنف الأوّل لا يدرك شأوهم، والصّنف الثاني عارف من حيث سرّه الرباني، مستخلف فيما بيده من الْمال، فهو كالْموصي على مال الْمحجور عليه، يُخرج عنه الزّكاة، والصّنف الثالث وإن كان مؤدّيا للواجب فهو دون الصّنف الثاني؛ لاقتصاره على أشياء لَم يقتصر عليها من قبله، والله أعلم.

٣٬٢٢٧ / ٣٬٧٥٢