معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٣٩٦

الثامن: أنّ النّاس اتّفقوا على أنّ الفقر والغنَى ضدّان، كما أنّ السّواد والبياض ضدّان، ولَم يقل أحد: إنّ الغنَى والْمسكنة ضدّان، بل قالوا: التّرفّع والتّمسكن ضدّان، فمن كان منقادا لكلّ أحد، خائفا منهم، متحمّلا لشرّهم، ساكتا عن جوابِهم، متضرّعا إليهم قالوا: إنّ فلانا يظهر الذّلّ والْمسكنة، وقالوا: إنّه مسكين عاجز، وأمّا الفقير فجعلوه عبارة عن ضدّ الْغنِيّ، وعلى هذا فقد يصفون الرّجل الغنِيّ بكونه /516/ مسكينا، إذا كان يظهر من نفسه الْخضوع والطّاعة، وترك الْمعارضة، وقد يصفون الرّجل الفقير بكونه مترفّعا عن التّواضع والْمسكنة، فثبت أنّ الفقر عبارة عن عدم الْمال، والْمسكنة عبارة عن إظهار التّواضع، والأوّل ينافي حصول الْمال، والثاني لا ينافي حصوله.

التاسع: قوله - صلى الله عليه وسلم - لِمعاذ في الزّكاة: «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِم»، ولو كانت الْحاجة في الْمساكين أشدّ لوجب أن يقول: "رُدّها على مساكينهم"؛ لأنّ ذكر الأهمّ أولى، فهذه الوجوه تدلّ على أنّ الفقير أسوأ حالا من الْمسكين.

وأُجيب عن الأوّل: بأنّه قد يَمنع؛ لأنّه قدّم العاملين على الرّقاب، مع أنّ حالَهم أحسن ظاهرا، وأخّر في سبيل الله وابن السّبيل مع الدلالة لزيادة تأكيد الدّفع إليهم، حيث أضافه إليهم بلفظة في حاصله أنّ التّقديم لاعتبار آخر غير زيادة الْحاجة، والاعتبارات الْمناسبة لا تدخل تَحت ضبط خصوصا من علاّم الغيوب.

وأُجيب عن الثاني: بالْمنع لِجواز أن يكون الفقير مأخوذا من: فَقَرتُ له فقرةً مِن مَالِي، أي قطعة منه، فيكون الفقير له قطعة منه لا تغنيه، وهذا منقول عن الأخفش.

وأُجيب عن الثّالث: بأنّ الفقر الْمتعوّذ منه ليس إلاّ فقر النّفس، لِما صحّ أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل العفاف والغنَى، والْمراد منه غنَى النّفس لا كثرة العرض، فلا دليل فيه لِما ذكروا.

٣٬٢٥١ / ٣٬٧٥٢