الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٠٠وأُجيب عن الرّابع: بأنّ ما ذكرتُموه من الرّوايات عن أهل العربية معارض، فعن الأصمعي أيضا: أنّ الْمسكين أحسن حالا من الفقير. وقال ابن الأعرابي: الْمسكين هو الفقير، وهو الذي لا شيء له، فجعلهما سواء.
والْجواب عن الْخَامِس: أنّ أصل الاشتقاق غير مَحصور فيما ذكرتُموه من السّكون عن الْحركة، فإنّ ذلك أمر بعيد، والعرب لا تُلاحظه، وإنّما تلاحظ الْمعاني القريبة الْمتبادرة إلى الأذهان من أوّل وهلة، والتّعبير عن هذا الْمعنَى هي الْمسمّى عندهم بالبيان، وهو الذي يتنافسون فيه، فبعيد منهم تركه، وملاحظة ما هو أبعد منه قصدا واختيارا، والله أعلم.
فهذه جُملة ما احتجّ به الفريقان، وقد عرفت /521/ ما في الْجميع من الاعتراضات، حتّى أنّه لَم يسلم دليل من قادح، وإذا أردت التّخلّص من هذا كلّه رجعت إلى الْمعنَى الذي ذكرته آنفا، وهو: أنّ بين الفقير والْمسكين عموما وخصوصا مطلقا، وحينئذ فيكون الْمسكين على أحوال وكذلك الفقير، والآيات القرآنية والسنة النبوية واللغة العربية تعبّر عن كلّ واحد منهما بالْحال الذي يناسب مقام الْخطاب، فيوصف الْمسكين تارة بالعدم الكلي، ومرّة بوجود البُلغة، وآونة بسؤال الناس، وأخرى بالتّذلّل والْمسكنة، وحينا بالتّعفف، وكذلك الفقير تارة يوصف بالتّعزّز، ومرّة بالعدم الكلّي، وطورا بوجود البلغة غير الكافية، فتجعل كلّ واحد من أدلّة الفريقين واقعا على حال من الأحوال، فتسلم من الْمعارضة والتّناقض، وينكشف لك في هذا أسرار الْخطاب من السّنّة والكتاب، فاشدد به عضدك فإنّه ضالّة الأفهام، والْحمد لِلّه على الإلْهام، والله أعلم.
الْمسألة الثانية: في العاملين على الصّدقة