الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٠٦فَقِيلَ: إنّهم قد برئوا؛ لأنّ الوضع كان عن إذنه، وإنه لَم يُخبروه فلا يُجزئهم ذلك إلاّ إن صرفها الإمام في حوائج الْمسلمين؛ وذلك لأنّ الْمكان لا يكون قبضا. وأمّا الإمام فإنّما يفعل في زكاة ماله أن يدفعها إلى جَماعة الْمسلمين ويَجعلونَها في بيت مال الْمسلمين، أو يردّونَها إليه ويَجعلها في بيت الْمال. وإن جعلها الإمام في بيت الْمال من غير مَحضر من الْمسلمين فقد أجزى ذلك؛ لأنّه أمين لأهل الْحقوق، والله أعلم.
وسيأتي –إن شاء الله تعالى– في باب الإمامة بقيّة أحكام العمّال والولاّة، وأحكام ما يهدى إليهم -إن قدّر الله وأعان-، والأمر كلّه بيد الله.
الْمسألة الثالثة: في الْمؤلّفة قلوبُهم
وهم: الْمستمالة قلوبُهم بالإحسان والْمودّة، وكان النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يعطي الْمؤلّفة من الصّدقات، وكانوا من أشراف العرب، فمنهم من كان يعطيه دفعا لأذاه، ومنهم من كان يعطيه طمعا في إسلامه، وإسلام أتباعه، ومنهم من كان يعطيه ليثبت على إسلامه لقرب عهده بالْجاهلية.
قال بعضهم: فلمّا تولّى أبو بكر - رضي الله عنه - /529/ وفشا الإسلام، وكثر الْمسلمون منعهم، وقال: "قد انقطعت الرّشا".
وَقِيلَ: جاء عيينة والأقرع في أيّام أبي بكر يطلبان أرضا فكتب لَهما بِها، فجاء عمر فمزّق الكتاب وقال: "إنّ الله أعزّ الإسلام وأغنَى عنكم، فإن ثبتم عليه وإلاّ فبيننا وبينكم السّيف"، فانصرفا إلى أبي بكر وقالا: أنت الْخليفة أم هو؟ فقال: "هو إن شاء"، ولَم ينكر عليه ما فعل.
وَقِيلَ: إنَّ عمر بن الْخطّاب قال حين جاءه عيينة بن حصن: ﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾، يعنِي: ليس اليوم مؤلّفة.
وفي السّيَر الْمغربيّة: من الأمور التِي نقمتها الشّيعة على عمر منع الْمؤلّفة قلوبهم سهمهم من الصّدقات، فقيل له في ذلك فقال: "ذلك إذ كان الإسلام حِقيًّا، وأمَّا الآن فقد بَزُل".