الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٠٩وتعقّب بأنّ هذا لا ينفي النّسخ؛ لأنّ إباحة الدّفع حكم شرعيّ كان ثابتا وقد ارتفع، وغاية الأمر أنّه نسخ لزوال علّته.
وقال بعضهم: سقوطهم تقرير لِما كان في زمنه - صلى الله عليه وسلم - من حيث الْمعنى؛ لأنّ الدّفع إليهم في ذلك الوقت كان إعزازا لأهل الإسلام لكثرة أهل الكفر، والإعزاز بعد ذلك في عدم الدّفع لكثرة أهل الإسلام. ثُمّ اختلف القائلون بالنّسخ:
فمنهم من قال: إنّ دليل النّسخ الإجْماع من الصّحابة على سقوطه، فإنّهم ما بين مُسقط وساكت. قالوا: والنّسخ بالإجْماع جائز باعتبار أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النّسخ به، والإجْماع في كونه حجّة أقوى من الْخبر الْمشهور، فإن كان يَجوز النّسخ بالْخبر الْمشهور بالزّيادة، فبالإجْماع أولى. قالوا: وأمّا اشتراط حياة النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في حقّ جواز النّسخ فجائز ألاَّ يكون مشروطا على هذا القول، وهو أنّ /532/ النّسخ بالْمتواتر والْمشهور بطريق الزّيادة جائز، ولا يتصوّر النّسخ بالْمتواتر والْمشهور إلاّ بعد وفاة النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وما عرف الفرق بين الْمتواتر والْمشهور والآحاد بِهذه الأسامي إلا في القرن الثاني والثالث، وليس هذا كلّه بشيء؛ إذ ليس للأمّة أن تَجتمع بعد نبيّها على خلاف نصّ مقطوع به، والنّسخ بالْمشهور والْمتواتر غير النّسخ بالإجماع؛ لأنّه نسخ بدليل جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولَم تؤثّر الشّهرة ولا التّواتر إلا في قوة طريقه دون مدلوله، وأمّا حدوث الاصطلاحات في التّسميات فغير وجود النّاسخ؛ لأنّ النّاسخ موجود قبل التّسمية، وحدوث التسمية بعد وجوده لا تؤثر فيه شيئا.