الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤١٠واستظهر بعضهم أن يكون النّاسخ دليل الإجْماع، بناء على أنّه لا إجْماع إلا عن مستند بدليل إفادة تقييد الْحكم بِحياته - صلى الله عليه وسلم - ، وهو موافقة الصّدّيق وسائر الصّحابة لعمر في ذلك دلّت على أنّهم كانوا عالِمين بِما هنالك، والآية التِي قرأها عمر التِي تقدّم ذكرها تصلح أن تكون دليل الإجْماع، وكذا حديث معاذ لَمّا بعثه إلى اليمن؛ لأنّه كان آخر الأمر منه - صلى الله عليه وسلم - .
وفيه: أنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال، وأنّ الْموافقة على التّرك لا توجب تَحريم الفعل؛ لأنّ إعطاءهم جائز لا واجب.
ثُمّ إنّه قد نقل أبو بكر - رضي الله عنه - أعطى عدي بن حاتم لَمّا جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيّام الرّدّة، /533/ وقد راجعت الصّحابة أبا بكر أوّل خلافته في تأليف عيينة والأقرع، وأبى عليهم من غير أن يذكر حكم النّسخ، فهذا يدلّ على أنّه غير منسوخ، وإنّما كان تركه رأيا رأوه لقوّة الإسلام؛ لعلمهم أنّ الصرف إليهم غير واجب.
أمّا قول بعض أصحابنا: أنّه مطروح، فمعناه متروك وهو غير النّسخ، وقد يترك الشيء في وقت ويرجع إليه في آخر للحاجة، والأحوال تَختلف.
ثُمّ إن الْمؤلّفة قلوبُهم ضربان: كفّار ومسلمون.
فالكفّار قسمان: قسم يَميلون إلى الإسلام ويرغبون فيه بإعطاء مال. وقسم: يَخاف شرّهم فيتألّفون لدفع شرّهم، فلا يعطى القسمان من الزّكاة قطعا. قيل: ولا من غيرها على الأظهر. وَقِيلَ: يعطون من خُمس الْخُمس. وَقِيلَ: لا يعطون إلا أن تنْزل بالْمسلمين نازلة.
وأمّا مؤلّفة الْمسلمين فأصناف: صنف دخلوا في الإسلام ونيّتهم ضعيفة، فيتألّفون ليثبتوا. وآخرون لَهم شرف في قومهم يطلب بتألّفهم إسلام نظرائهم، وفي هذين الصّنفين ثلاثة أقوال:
أَحَدُهَا: لا يعطون. والثاني: يعطون من سهم الْمصالِح. والثالث: من الزّكاة.
والقولان الأوّلان مبنيّان على طرح سهم الْمؤلّفة من الزّكاة أو على نسخه. والقول الثالث على بقائه.