الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٤٠والثاني: نقل الْحافظ بن حجر في تَخريج الرّافعي عن الشافعي أنّه قال: طاووس عالِم بأمر معاذ، وإن لَم يلقه لكثرة من لقيه مِمّن أدرك معاذا، وهذا مِمّا لا أعلم من أحد فيه خلافا.
وَمِنهَا: أنّ البيهقي حكى عن الإسْماعيلي قال: قال بعضهم: فيه من الْجزية بدل الصّدقة، فإن ثبت فقد سقط الاحتجاج. ثُمّ قال البيهقي: هذا هو الأليق بِمعاذ، والأشبه بِما أمره به النّبِي - صلى الله عليه وسلم - من أخذ الْجنس في الصّدقات، وأخذ الدّينار أو عدله من ثياب اليمن في الْجزية، وأن يرد الصّدقات إلى فقرائهم لا أن ينقلها إلى الْمهاجرين بالْمدينة الذين أكثرهم أهل فَيء لا أهل صدقة.
وأُجيب: أنّ هذا غير مشهور عند الْمحدثين، ولو كان صحيحا لذكر له سندا، ولو ذكر له سند نظرنا فيه لكنّه لَم يذكر، وكيف يكون ذلك جزية وقد قال معاذ "مكان الذّرة والشعير" ولا مدخل لَهما في الْجزية، وإنّما أمره -عليه السّلام– بأخذ الْجنس؛ لأنّه هو الذي يطالب به الْمصدّق، والقيمة إنّما تؤخذ باختيارهم، وعلى هذا نَحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : «(خُذِ) الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ…» الحديث.
والْمقصود من الزّكاة: سدّ خلّة الْمحتاج، فالقيمة في ذلك تقوم مقام تلك الأجناس، فوجب أن تَجوز عنها، فهو نظير تعيين الأحجار للاستنجاء. ثُمّ اتّفق الْجميع على جوازه بالْخرق /569/ والْخشب ونَحوهِما لِحصول الانقاء بِها كما يَحصل بالأحجار.
وإنّما عين - صلى الله عليه وسلم - تلك الأجناس في الزّكاة تسهيلا على أرباب الأموال، كما جاء في بعض الآثار: «أنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ فِي الدّيَّةِ عَلَى أَهلِ الْحُلَلِ حُلَلاً».
ويَجوز أن يريد معاذ نقل ما زاد عن فقرائهم، ومتَى لَم يوجد أهل السّهمان في بلد نقلت الصّدقة. والْمراد بالْمهاجرين الفقراء منهم، كما تقول: الزّكاة حقّ الْمسلمين، والْمراد فقراؤهم.