الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٥٢وفيها قول ثالث: وهو أنّ من أعطاها الفقراء من أهل الشّرك الْمجوس فقد أساء، ولا غرم عليه.
وفيها قول رابع لأبي سعيد قال: يستحبّ للمسلم إن كان يلي زكاة نفسه أن يَجعلها في أهله من الْمسلمين من أهل ولايته، وموافقته من أهل نِحلته ولو لَم يكن لَهم ولاية، ثُمّ في أهل دعوته ولو كانوا مِمّن ينتهكون ما يدين بتحريمه، ثُمّ في أهل قبلته ولو كانوا يدينون بِمخالفته، ثُمّ في فقراء أهل حربه إذا عدم هذا كلّه؛ لأنّه لا تأتي على الْمرء حال يُمنع فيه دفع زكاته، فيستحيل /583/ الْحكم إلى أن يتعبّد بِما لا يطيق.
قلنا: ليس في هذا تعبّد بِما لا يطاق؛ لأنّ وقت الزّكاة موسّع فيمكنه أن يؤخّرها إلى حال يلقى فيه الْمسلم، ثُمّ إنّ إقامته في دار الْحرب أمر غير مشروع؛ بل لا يَجوز له أن يتّخذها وطنا لِما في ذلك من الْمخاطرة على نفسه ودينه.
فإن قيل: قد نسخت الْهجرة فمن أسلم من أهل الْحرب لا يلزمه أن يهاجر، فما يصنع بزكاته؟
قلنا: إن صحّ له الإقامة لِمعنى يَجوز له فعليها أن يَحملها إلى دار الإسلام أو يتركها لَهم متَى وجدهم. فإن تلفت بعد التّمييز، فقد قيل: لا شيء عليه، فأين مَحلّ التّكليف بِما لا يطاق؟
احتجّ من أجازها لأهل الذّمّة بقوله تَعالَى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وبقوله تَعالَى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء…﴾ الآية، إلى غير ذلك من النّصوص من غير قيد الإسلام.