الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٤٧٢واحتجّ أرباب القول التاسع بِما يوجد عن الضحاك قال: من ملك عشرة آلاف درهم فهو من الأكثرين الأخسرين إلاّ من قال بالْمال: هكذا وهكذا، قال ابن العربي: إنّما جعله أول حدّ الكثرة؛ لأنّه قيمة النفس الْمؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، قال: وإنّي لأستحبّه قولا، وأصوّبه رأيا،/603/ وعن علي قال: أربعة آلاف نفقة، فما كان فوقها فهو كنْز.
والْجواب: ليس الْحجة في قول الضحاك وابن العربي وإنّما الْحجّة في قول الله ورسوله، ثُمّ إنّ الْمحكي عن علي يُخالفه، فإن كان الْحجة في الأول انتقضت بالنقل الثاني، والله أعلم.
وأمّا القول العاشر: فإن كان قبضه على وجه الأمانة فقد تقدّم القول فيه، وإن كان على غير ذلك فلا أعرف له حجّة، والله أعلم.
تنبيهات:
الأول: في ما ينبغي للآخذ من الزكاة
فإنّه ينبغي له أن يتوقّى مواقع الرّيبة والاشتباه في مقدار ما يأخذه، فلا يأخذ إلا الْمقدار الْمباح، ولا يؤخذ إذا تَحقّق أنّه موصوف بصفة الاستحقاق، فإن كان يأخذه بالكتابة والغرامة فلا يزيد على مقدار الدّين، وإن كان يأخذ بالعمل فلا يزيد على أجرة الْمثل، وإن أُعطي زيادة أبى وامتنع؛ إذ ليس الْمال للمعطي حتّى يتبرّع به، وإن كان مسافرا لَم يزد على الزاد وكراء الدّابّة إلى مقصده، وإن كان غازيا لَم يأخذ إلاّ ما يَحتاج إليه للغزو، خاصّة من خيل، وسلاح، ونفقة، وتقدير ذلك بالاجتهاد، وليس له حدّ، وكذا زاد الْسفر. والورع ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وإن أخذ بالْمسكنة فلينظر أولا إلى أثاث بيته وثيابه وكتبه، هل فيها ما يستغنى عنه بعينه أو يستغنى عن نفاسته، فيمكن أن يبدل بِما يكفي، ويفضل بعض قيمته، وكل ذلك عائد إلى اجتهاده، وفيه طرف ظاهر يتحقّق معه أنّه مستحقّ، وطرف آخر مقابل يتحقّق معه أنه غير مستحق، وبينهما أوساط مشتبهة، ومن حام حول الْحمى يوشك أن يقع فيه، وهذا هو طريق السلامة الذي لا مرية فيه.