معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 4 في الزكاة

الجزء ٩ · صفحة ٤٧٦

ومن كان /607/ غنيا، ثُمّ أراد أن يتعلّم فله عند أبي سعيد أن يأخذ من الزّكاة لينفذها في أسباب العلم من جَميع فنون علوم الدّين والْحكمة والأشعار والأخبار، وغير ذلك مِمّا يَحتاج إليه في أمور دينه دون دنياه، وقد تقدّم نظير هذا عن بعض الزيدية، وأنّهم جعلوه من سبيل الله.

وإن سافر الغنِيّ واحتاج في سفره وأخذ من الزّكاة لِحاجته، واشترى كسوة، وادّخر دراهم فوصل بلاده ومعه الكسوة والدّراهم فإنّ ذلك له، ورفع ذلك عن أبي مالك، ووجهه: أنّه أخذها في حال يَجوز له الأخذ، فصارت بذلك ملكا له، ولا يَخرج من ملكه بوصول بلده.

وأمّا تدبير نفقته فإنّ الناس في ذلك مُختلفون:

فمنهم من يصلحه السّعة، والرطوبات من الْمعاش، واللين من اللباس. ومنهم من يفسد على ذلك، ويقسو قلبه، والعبد ناظر لنفسه ومُجتهد وسائق لَها، وقائم عليها، وهو الْمخاطب بشأنِها، فعليه أن يستعمل ما يصلحها، ويترك ما يضرّها؛ إذ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

وكلّ من أخذ شيئا لفقره فهو مثل ماله يصرفه حيث شاء من منافعه، ويبادل ويشتري ويبيع ويقضي الشيء عن الشيء، كما هو مقتضى اللام في قوله تَعالَى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء﴾، فإنّها تقتضي التّمليك، وكلّ ما صار ملكا له فحكم حكم ماله.

وأمّا الذي أخذه على وجه الأمانة كما قيل بذلك في الْمستظهر بالزّائد على الكفاية فإنّه يكون في يده بِمنزلة بيت الْمال في يد الراعي، فله بيع ما يَجوز بيعه، والشّراء منه بِما يصحّ، وتوفيره على ما يَجتهد في ذلك، وهو بِمنزلة أمانته، وليس له أن يَجعله إلاّ في ما يَجوز جعل الزّكاة فيه، فإن أنفقه في بابه ثُمّ نقص عن سنته فله أن /608/ يأخذ مقدار ما نقص عليه. وَقِيلَ: إنه بِمنزلة ماله، وله أن يصرفه حيث شاء ما لَم يكن في معصية، وهذا مبنِيّ على أنّه يصير في قبضها بِمنزلة الإمام أو نائبه، والأول مبنِيّ على أنّه وكيل لأرباب الأموال.

٣٬٣٣١ / ٣٬٧٥٢