الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ١٠ · صفحة ٨والْحجّة لنا على استحبابه: قوله - صلى الله عليه وسلم - : «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِم»، وقد تقدّم أنّ عمير بن سعد فرّقها في خلافة عمر على أهل البلد ولَم يَحمل منها شيئا. وأنّ عمران بن الْحصين فعل مثل ذلك في زمان زياد، وقال: "أخذناها من حيث كنّا نأخذها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووضضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
وأمّا جواز النّقل لِمصلحة فلِما تقدّم من ثبوت نقلها إلى الإمام، وقد كانت تساق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى الْخليفتين من بعده.
ولعلّ الْمانعين يستدلّون بِما تقدّم من استدلالنا على الاستحباب، فإنّ قوله - صلى الله عليه وسلم - : «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» أَمرٌ بواجب، فيجب أن يكون مثله قوله: «وَرُدَّهَا إِلَى فُقَرَائِهِمْ».
قلنا: خرج الأمر الثاني بدلائل الأحوال، وبقوله تَعالَى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ..﴾ الآية، فلو كان ردّها في فقرائهم واجبا لَحَرُم صرفها إلى غيرهم من الأصناف وهو باطل، فظهر وجه /639/ الاستحباب وجواز النّقل عند الْحاجة والْمصلحة. وإن كان الْمال ببلد والْمالك ببلد، فالاعتبار ببلد الْمال؛ لأنّه سبب الوجوب، ويَمتدّ إليه نظر الْمستحقّين، فَيُصرَف العُشُرُ إلى فقراء بلد الأرض التِي حصل منها العشر، وزكاة النّقدين والْمواشي والتّجارة إلى فقراء البلد التي تَمّ فيه حولُها. ولو كان الْمال في بادية صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه، وإن كان تاجرا مسافرا صرفها حيث حال الْحول. وإن كان ماله في مواضع متفرّقة قسّم زكاة كلّ طائفة مِن مَاله ببلدها ما لَم يقع تشقيص.
واعلم أنّ أرباب الأموال صنفان:
أَحَدُهُما: الْمقيمون في موضع لا يضعنون، فعليهم صرف زكاتِهم إلى من في موضعهم من الأصناف، سواء فيه الْمقيمون والغرباء.