الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠والْمفسدة الثانية: طمع نفسه في ما أخرجه لِلّه، فإنّ النّفس متَى طمعت فيه بوجه مّا لَم تطب به نفسا لِلّه وهي متعلّقة به، وشأن النّفوس الشّريفة ذوات الأقدار والْهمم أنّها إذا أعطت عطاء لَم تسمح بالعود فيه بوجه، لا بشراء ولا بغيره، وتعدّ ذلك دناءة، ولِهذا مثّل النّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «العائدَ فِي هِبَتِهِ بِالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيئِه» لِخسّته ودناءة نفسه، وشحّه بِما قاءه، فمن مَحاسن الشّريعة منع الْمتصدّق من شراء صدقته، ولِهذا مُنِع من سكنَى بلاده التِي هاجر منها لِلّه، وإن صارت بعد ذلك دار إسلام، كما مَنع النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الْمهاجرين بعد الفتح من الإقامة بِمكّة فَوق ثلاثة أيَّام؛ /650/ لأنّهم أخرجوا عن ديارهم لِلّه فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لِلّه، وإن زال الْمعنَى الذي تركوها لأجله، والله أعلم.
التنبيه السابع: في موضع الصدقة لوجه الله
قال جابر: لا يتصَدَّق الرّجل عَلَى ولده أو والده أو امرأته أو أحد هو وارثه، ولكن يعطيه عطيّة، فإن ردّت إليه أو ورثها أخذها.
وقال غيره: من تصدّق على والده أو ولده بصدقة فليأكل منها ويرثها، فإنّها ليست بالصّدقة التِي تَحرم على أهلها، وإنّما يكون ذلك لغير الوالد والولد.
ولعلّ حجّتهم على ذلك حديث بريدَة الْمتقدّم في الْمرأة التِي تَصدَّقت على أمّها بوليدة، فإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ردّها إليها بالْميراث.
وقالوا: الصّدقة على وجهين: صدقة يراد بِها وجه الله لا يراد بِها غيره، فلا ينبغي أن يأكل منها شيئا. وصدقة يريد بِها صلة رحم وبرّهم، فإنّه ينوي الأجر بصلة الرّحم ولا بأس بالأكل منها.
وسئل الأشعث بن قيس: عن رجل تصدّق بِماله صدقة لوجه الله تَعالَى، وإنّما أراد أن تثبت عطيّته، هل يَحلّ له أن يأكل منها؟. قال: ما أرى في أكله بأسا، وإنّما أكره ذلك إذا كانت العطيَّةُ يراد بِها وجه الله.