الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٢ونقدم أمام المقصود مَسَائِل:
الْمَسْأَلَة الأولى: في مشروعيَّة الصِّيَام
وفيها أمور:
الأمر الأول: في مشروعيَّتِه على من كان قبلنا
وذلك أَنَّهُ كان مشروعا على من كان قبلنا من الأمم كما يَدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ . وقد جاء في بعض الروايات، أنّ المراد بهم أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى. وجاء في بعضها: أن المراد بهم /3/ النصارى خاصَّة.
وجاء في بعض الروايات: أن المراد بهم جميع الأمم السابقة، فقد جاء: «مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ وَجَبَ عَلَيهَا صَوْمُ رَمَضَان إِلاَّ أَنَّهُم أَخْطَأُوهُ وَلَمْ يَهْتَدُوا لَهُ». وهذه الرواية تدلُّ على أَنَّهُ لَم يصمه أحد من الأمم السابقة، فصومه من خصوصيات هذه الأمَّة.
وفي الأنساب لابن قتيبة: أوَّل من صام رمضان نوح - عليه السلام - . وفي بعض الروايات ما يفيد أنَّ النصارى صامته، واتفق أَنَّهُ وقع في بعض السنين في شدة الحر فاقتضى رأيهم تأخيره بين الصيف والشتاء وأن يزيدوا في مقابلة تأخيره عشرين يوما.
وقيل: إن اليهود تركت هذا الشهر وصامت يوما من السنة، زعموا أَنَّهُ يوم غرق فيه فرعون، وأن النصارى صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثُمَّ قالوا عند التحويل: نزيد فيه فزادوا عشرا، ثُمَّ بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعا فزادوه، ثُمَّ جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: "ما بال هذه الثلاثة؟" فأتَمَّه خمسين يوما، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُم أَرْبَابًا﴾، وهو مروي عن الحسن.
وقال الشعبي: أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يوما، ثُمَّ لَم يزل الأخير يستَنّ /4/ بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما.