الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٦الثَّانِي: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾.
قالوا: لو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أوَّل الأمر لَم يكن لقوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فائدة.
الثَّالِث: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾، قالوا: لو كان ذلك حلالا لَهم لَما كان بِهم حاجة إلى أن يَختانوا أنفسهم.
الرابع: قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾، ولولا أن ذلك كان محرما عليهم، وأن الإقدام على ذلك معصية لَما قال ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾.
الْخَامِس: قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، قالوا: لو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فائدة. /9/
السَّادِس: أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالَّة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وذلك أن: "رجلا من الأنصار جاء عشية وقد أجهده الصَّوْم فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سبب ضعفه، فقال: "يا رسول الله، عملت في النخل نَهاري أجمع، حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت فنمت، فأيقظوني وقد حرم الأكل"، فقام عمر فقال: "يا رسول الله، أعتذر إليك من مثله، رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء الآخرة فأتيت امرأتي". فقال عليه الصلاة والسلام: «لَم تَكُن جَدِيرًا بِذَلِكَ يَا عُمَر»، ثُمَّ قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا؛ فنزل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾".
أجاب أبو مسلم فقال: الوجه الأوَّل ضعيف؛ لأنَّ تشبيه الصَّوْم بالصَّوْم يكفي في صدقه مشابَهتها في أصل الوجوب.
قال: والثاني أيضا ضعيف؛ لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ معناه: أن الذي كان محرما على غيركم فقد أحل لكم.