الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٥ولأجل موافقتها كان يعتكف في شهر رمضان، واعتكف العشر الأُوَل من رمضان، ثُمَّ اعتكف العشر الأوسط في قُبَّة تُركِيَّة على سُدَّتِها حصير فأخذه /19/ فنحاه في ناحية القبلة، ثُمَّ كلَّم الناس فقال: «إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأُوَل أَلْتَمِس هَذِه اللَّيلَة، ثُمَّ اعتَكفتُ العَشْر الأَوسَط، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُم أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ»، فَاعْتَكَفَ النَّاسَ مَعَه.
وعند البخاري: أن جبريلَ أَتَاهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَالَ لَه: "إِنَّ الذِي تَطْلُبْ أَمَامَكَ» (أي: قُدَّامَكَ)، فَصَادَفَهَا لَيْلَة إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْر. ثُمَّ مَا زَالَ يعتكِفُ العَشرَ الأَوَاخِر إِلَى أَن قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِ-، وأمر أصحابه أن يلتمسوها من العشر الأواخر.
وفي هذه الْمسألة أمور:
الأمر الأوَّل: في معنى إضافتها إلى القدر
قيل: سُمِّيَت بذلك؛ لأَنَّها ليلة تقدير الأمور والإحكام.
والقدر: مصدر قَدرت أقدر أقدارا. والمراد به: ما يمضيه الله من الأمور، قال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ49﴾. والقدْر والقدَر واحد، إلاَّ أَنَّهُ بالتسكين مصدر، وبالفتح اسم.
قال عطاء عن ابن عبَّاس: إن الله قدر ما يكون في كلِّ تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية. ونظيره قوله /20/ تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، والمراد: إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة بأن يكتبها في اللوح المحفوظ.
وقيل: سُمِّيَت بذلك؛ لأَنَّها ليلة العظمة والشرف، من قولهم: "لفلان قَدْرٌ عند فلان"؛ أي: منزلة وشرف. وهو قول الزهري، واستدل له بقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.