معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 5 في الصوم

الجزء ١١ · صفحة ١٧

قال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثُمَّ يجاهد حتى يُمسي، فعل ذلك ألف شهر فتعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من ذلك فأنزل الله هذه الآية؛ أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر.

وقال مالك بن أنس: أُرِيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعمار الناس فاستقصر أعمار أمَّته، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما /22/ بلغه سائر الأمم، فأعطاه الله ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر لسائر الأمم.

وروى القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن قال: قلت للحسن بن علي: يا مسوِّد وجوه المؤمنين، عمدتَ إلى هذا الرجلِ فبايعتَ له -يعني معاوية-، فقال: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى فِي مَنامِهِ بَنِي أُمَيَّةَ يَطَأُونَ مِنبَرَهُ وَاحِدًا بَعدَ وَاحِدٍ»، وفي رواية: «يَنْزُونَ على منبره نزو القردة»، فشق ذلك عليه، فَأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يعني: ملك بني أمية. قال القاسم: فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر.

وهذه الآثار تدلُّ على أن فضل هذه الليلة من خصوصيات هذه الأمة، والله يؤتي فضله من يشاء. واستشكل بأن ما ذكر من ألف شهر في أيام بني أمية بعيد؛ لأَنَّه تعالى لا يذكر فضلها بذلك ألف شهر مذمومة، وأيَّام بني أمية كانت أيام عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول الله: إني أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينِيَّة أفضل من تلك السعادات /23/ الدنيوية، فمن أحيا ليلة القدر فكأنَّما عبد الله تعالى نيفا وثَمَانِين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأَنَّهُ رزق أعمارا كثيرة، ومن أحيا الشهر لينالها بيقين فكأَنَّهُ أحيا ثلاثين قدرا.

٣٬٣٩٥ / ٣٬٧٥٢