الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٣٦وأنت تدري أن هذا القول خارج عن محل النزاع، إذ ليس بالوصال الذي تنازعت فيه الأمة.
وقيل: إن الوصال جائز عند عدم الْمشقة، ونسب إلى عبد الله بن الزبير، وإلى أخت أبي سعيد وهي من الصحابيات، وإلى طائفة من التابعين. وذكر عن ابن الزبير: أَنَّهُ كان يواصل خمسة عشر يوما، وحكي عنه أيضا: أَنَّهُ كان يواصل سبعة أيام فلمَّا كبر جعلها خمسا، فلمَّا كبر جدا جعلها ثلاثا.
احْتَجَّ القائلون بالتحريم بوجوب الامتثال لأوامر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ومناهيه، وقد نهى عن ذلك، وهو أعلم بالحال فوجب علينا الامتثال لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، فحملوا النهي على التحريم لوجوب الاتِّباع.
وأمَّا القائلون بالتكريه فاستدلوا بِحديث عائشة قالت: «نَهَاهُم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الوِصَالِ رَحْمَة لَهُم، فَقَالُوا: "إِنَّكَ تُوَاصِلُ"، فََقَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».
فقالوا: قولها "رحمة لهم" يَدُلُّ على أن ذلك للإشفاق بهم، وأَنَّهُ جائز لولا تحمُّل الْمشقَّة.
وَالْجَوَاب: أنَّ قولها: "رحمة لهم" لا يصرف النهي عن ظاهره، فقد يكون سبب مشروعية الشيء /50/ الرحمة والإشفاق ثُمَّ يجب أو يحرم، بل جميع الأحكام إنَّما شرعت على هذه الأمة رحمة لها لا عقوبة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، بخلاف الحال الذي كان في بني إسرائيل فإنَّه تعالى حرَّم عليهم أشياء عقوبة لهم، ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» اختلف في معناه:
فقيل: على حقيقته، وأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه.
واعترض بأَنَّهُ لو كان كذلك لم يكن مواصلا.