الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٣٥وهو: غيبوبة الشمس في مغربها، وبذلك يدخل الليل الْمذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾. وفي الحديث عن ابن عمر قال: سَمعت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ، وغابت الشمس، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم».
والْمراد بإقبال الليل ظهور الظلمة من الْمشرق، ولا تظهر إِلاَّ بعد غروب القرص بكماله، ويبقى للشعاع أثر احمرار بالْمشرق، فإذا غلب /48/ السواد على الحمرة فقد أقبل الليل، وأدبر النهار بالكلية، وهو السر في ذكر ثلاثة أمور في الحديث: إقبال الليل، وإدبار النهار، وغيبوبة الشمس، وهي وإن كانت متلازمة في الأصل لكنَّها قد تكون في الظاهر غير متلازمة.
فقد يظنّ إقبال الليل من جهة الْمشرق ولا يكون إقبالا حقيقة، بل الوجود أمر يغطِّي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النَّهار فمن ثَمَّ قيّد بغروب الشمس.
وفي ذلك إشارة إلى التثبت عند الإفطار؛ لأن الأصل بقاء النهار، ولا ينافيه الحثّ على تعجيل الفطور، فإن التعجيل إنَّما يكون في أوَّل وقت الحل وذلك بعد تيقّن الغروب، فإذا تيقَّنه ندب إلى تعجيل الإفطار.
ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إِلاَّ بعد غروب الحمرة، ومنهم من زاد عليه فقال: بل لا يجوز الإفطار إِلاَّ عند طلوع الكواكب.
وهذه الْمذاهب قد انقرضت، والفقهاء قد أجمعوا على بطلانها، وأحاديث الحث على تعجيل الفطور مستند هذا الإجماع، فلا فائدة في استقصاء الكلام عليها.
الْمَسْأَلَة الرابعة: في الوصال
وهو: ترك الإفطار بالليل ومواصلة الصَّوْم بالصَّوْم، وقد ثبت نَهيه - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
واختلف الناس في وجه النهي:
فمنهم من قال: إنه للتحريم، فأوجب /49/ الفطر بالليل ولو بقطرة ماء. ومنهم من قال: بالتكريه. وقيل: يحرم مع النِيَّة للوصال، ويكره مع عدمها. وقيل: يجوز إلى السحر فقط.