الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٣٨نعم، نقول: إن تأخير الإفطار إلى السحور مكروه لخلاف السنة في تعجيل الإفطار، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أََرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيَتَوَاصَلْ حَتَّى السَّحَر».
فإنَّه يَدُلُّ على أنَّ التأخير رخصة، وأنَّ الجادة غيره، فكأَنَّهُ /52/ قال: "مَن أبى منكم إِلاَّ الوصال فليواصل إلى السحر" ترخيص منه - صلى الله عليه وسلم - لِمن رأى من نفسه قوّة، وأحبّ الوصال، فالكراهية ترشح من خلاله.
وَأَمَّا القائلون بِجوازه عند عدم الْمشقَّة فعندهم أنّ الأكل والشرب مباح، وأَنَّهُ لا حرج في ترك الْمباح وفعله، وإنَّما يتعيَّن الفعل أو الترك لعارض آخر كخوف الْمشقة ووقوع الضرر.
قالوا: وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ واصل بأصحابه لَمَّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال، «فواصل بِهم يَومًا ثُمَّ يوما ثُمَّ رأوا الهلال، فقال: «لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُم» كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا».
قالوا: وإقدام الصحابة على الوصال بعد النهي يَدُلُّ على أَنَّهُ فهموا أنَّ النهي للتنزيه لا للتحريم.
وَأُجِيبَ: بأن مواصلته - صلى الله عليه وسلم - بهم كانت بعد نهيه لهم فلم يكن تقريرا بل تقريعا وتنكيلا، واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأَنَّهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الْملل في العبادة، والتقصير في ما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك، كذا قيل، وهو جواب من جواب الجمهور القائلين بالتكريه دون التحريم.
أمَّا الْمحرِّمون فلا يجدون لهذا /53/ الاستدلال جوابا إِلاَّ أن يطعنوا في سنده ولا سبيل إليه.
وتحريره أن نقول: لو كان ذلك حراما ما ساغ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حملهم عليه، والزجر ممكن بغير هذه الحالة، وبذلك يترجَّح القول بالكراهَة فقط، والله أعلم.
ثُمَّ إِنَّهُ أخذ في: