الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٤٢وصيام النذر يلزم تتابعه ليحصل الوفاء بنذره. فلو نذر صوم عشر وأفطر بينها لَما صدق عليه أَنَّهُ صام عشرا، /57/ بل الصيام الأول على حده، والثَّانِي على حده، فيجب الاستئناف للوفاء.
وكذلك صوم التكفير يلزم تتابعه لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
ولذكر التتابع في القتل والظهار أثبتناه أيضا في الأيمان فهما من معاني الكتاب، وأخذا من دلالة الخطاب. ويغتفر عدم التتابع لأحوال بعضها مَنَعَ الشرع مَعَهَا الصَّوْم وهي الحيض والنفاس، وبعضها رخَّص في الإفطار معه وهو الْمرض والسفر.
فالحائض تترك الصَّوْم وتعتبر ما مضى، وتقضي في أيَّام أُخَر، ومثلها النفساء.
والْمريض والْمسافر إذا أفطرا في حال عذرهما بنوا على ما مضى، وقضوا ما أفطروا من أيَّام أخر رحمة من الله وفضلا.
ومنع الأصل والْمراد به صاحبه وهو أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي -رضوان الله عليه- فإنه منع فطر السفر على الْمُكَفِّر وصائم النَّذْر.
ووجه قوله في ذلك: أنّ الْمُكَفِّر معاقب؛ لأنّ الْكَفَّارَة عقوبة الزلَّة، وأنّ الفطر رخصة لا تناسب العقوبة؛ إذ الْمقصود من العقوبة التشديد للتمحيص والزجر، والرخصة تنافي ذلك.
وأمَّا النذر فإنَّه قد ألزمه نفسه، وعيَّن لذلك وقتا يختصه لنفسه، وباختياره ذلك ينتفي عنه العناء والتَّعب، إذ بنفسه اختاره، ولو كان /58/ فيه مشقَّة لَمَا اختار ذلك الوقت دون غيره. وهذا يظهر في مَن نَذَرَ صَومًا في أَيَّام غَيْر مُعَيَّنَة ثُمَّ عيَّنَها بالدخول فيها لأداء نذره.
فأمَّا من عيَّن شهرا مخصوصا فهو أشبه حالا برمضان، فيجب له الترخيص برخص رمضان، وذلك إذا احتاج إلى السفر. وما عدا هذا الْمذكور وهو الصَّوْم الْمندوب فإن العبد فيه مُخيَّر بين الفصل بالإفطار والتعقيب وهو تتابع الصيام.
أما قضاء رمضان من أيَّام أخرى فإنَّه مثل رمضان يلزم تتابعه فلا يجوز فصله بالإفطار.
وفي الْمقام مسائل: