الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٤٤وفي حديث عائشة: أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثُمَّ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول /60/ الله - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ».
ونُنبِّه هاهنا على شيئين:
أحدهما: صيام الصبِيِّ
وذلك أن الصَّوْم لا يجب إِلاَّ على البالغ العاقل؛ لأنَّ البلوغ والعقل مناط التكليف فلا يلزم شيء من العبادات على الصبيّ ولا على الْمجنون، غير أنَّ الولِيّ مُخَاطب أن يأمر صبِيَّه بالصَّوْم إذا أطاقه. وفي الأثر: "أن الصلاة على من عقل، والصَّوْم على من أطاق".
وأُتِيَ بسكران في رمضان إلى عمر - رضي الله عنه - فقال له: "وَيلَكَ وصبياننا صيام!"، فضربه.
ومعناه: أتفعل هذا وأنت بالغ، وصبياننا مع صغرهم صيام؟! فضربه ثَمَانِين جلدة ثُمَّ سيّره إلى الشام. وفي حديث الرُّبَيِّع بنت معوِّذ قالت: "أرسل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّة يَوْمِه، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ». قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار".
وفي حديث رزينة: «أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَأمُرُ مُرضِعَاتِه فِي عَاشُورَاء وَرُضَعَاءَ فَاطِمَةَ فَيَتَفُلُ فِي أَفوَاهِهِم، وَيَأمُرُ أُمَّهاتِهِم أَلاَّ يُرضِعْنَ إِلَى اللَّيْلِ».
وفي ذلك حُجَّة على مشروعية تَمرين الصبيان على الصيام؛ لأَنَّ من كان في مثل السِّنّ الذي /61/ ذكر في هذه الأحاديث فهو غير مُكَلَّف، وإنَّما صنع لهم ذلك للتمرين.
وقال القرطبي: أثر حديث الرُّبَيِّع: لعلَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بذلك. قال: ويبعد أن يكون أمر ذلك؛ لأَنَّه تعذيب صغير بعبادة شاقَّة متكررة في السنة.