الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٥٤الأمر الثالث: في الزمان الذي ينتقل بانقضائه فرضه من الهدي إلى الصيام
وقد اختلفوا في ذلك:
فقيل: إذا شرع في /74/ الصَّوْم فقد انتقل فرضه إليه ولا هدي عليه وإن وجده في أثناء الصَّوْم، ونسب إلى مالك بن أنس.
وقال قوم: إن وجده قبل صوم الثلاثة الأيام فعليه أن يهديه، وإن وجده في صوم السبعة فلا هدي عليه، وصحَّحه الشيخ إسماعيل في القواعد قال: لأَنَّه قد خرج من فرضه كما أَنَّهُ لو صلَّى بالتيمُّم ثُمَّ وجد الْماء فلا بدل عليه. قال: وسبب الخلاف في هذه الْمسألة: هل ما هو شرط في ابتداء العبادة شرط في انتهائها أم لا؟
الأمر الرابع: في وقت صيام السبعة الباقية
وقد قال - سبحانه وتعالى - : ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. واختلف العلماء في الْمراد من الرجوع:
فقيل: الرجوع إلى الأهل والوطن. وقيل: الفراغ من أعمال الْحَجّ والأخذ في الرجوع.
وثَمَرة الخلاف تظهر في ما إذا صام الأيَّام السبعة بعد الرجوع عن الْحَجّ، وقبل الوصول إلى بيته لا يجزئه عند أرباب القول الأول، ويجزئه على القول الثاني.
وأُيِّد الأوَّل بوجوه:
أَحَدُهَا: قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾؛ معناه: إلى الوطن، فإن الله تعالى جعل الرجوع إلى الوطن شرطا، وما لم يوجد الشرط لم يوجد الْمشروط. والرجوع إلى الوطن لا يحصل إِلاَّ عند الانتهاء إلى الوطن، فقبله لم يوجد الشرط فوجب أن لا يوجد الْمشروط.
والثَّانِي: ما روي عن ابن عباس قال: لَمَّا /75/ قدمنا مكة قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «اجْعَلُوا إِهْلاَلَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَة إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي». فطفنا بالبيت، وبالصفا والْمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ثُمَّ أمرنا عشِيَّة التروية أن نَهلّ بالحجّ، فَلَمَّا فرغنا قال: «عَلَيْكُم الْهَدْيَ، فَإِن لَمْ تَجِدُوا فَصِيَامُ ثَلاَثَة أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُم إِلَى أَمْصَارِكُم».