الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ٧٦وقيل: الحكمة في ذلك الفصل من الصَّوْم، وإظهار تَمامه وحده بفطر ما بعده، وذلك في الفطر. وَأَمَّا النحر فلأجل النسك الْمقترب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لَمْ يكن لِمشروعيَّة الذبح فيه معنى، وهو مستنبط من قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : "هذان يومان نَهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم"، والْمراد بالنسك هنا الذبيحة الْمتقرَّب بها قطعا.
الأمر الثَّاني: في صِيام الحائض والنُّفَسَاء
وهو: مُحرَّم إجماعا، فلا يَتِمُّ لها صوم حال حيضها، ولا حال نفاسها؛ بل تأثَم عليه إن فعلته.
أَمَّا /105/ الحائض فللنصوص الواردة في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَأَمَّا النُّفَسَاء فَلِمَا علم من الحال في عصر النبوة وما بعده، وأن النفاس كالحيض في جميع أحكامه، وأَنَّهُ حيض طالت أَيَّامه. والكلام في هذا الْموضع ينحصر في طرفين:
الطرف الأَوَّل: في تحريم الصَّوْم عليها
وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرأَةِ مِثْلَ نِصْف شَهَادَةِ الرَّجُل؟». قلن: "بلى". قال: «فَذَلِكَ نُقصَانٌ مِنْ عَقلِهَا، أَلَيسَ إِذَا حَاضَت لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُم؟». قُلنَ: بلى. قال: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَان دِينِهَا».
وقوله - صلى الله عليه وسلم - ذلك للنساء يَدُلُّ على أن تركها الصلاة والصَّوْم كان أمرا معروفا، وحالا معهودا بينهن من قبل هذا الْمجلس.
وزعم الْمُهلَّب: أن السبب في منع الحائض من الصَّوْم أن خروج الدم يحدث ضعفا في الجسم غالبا، فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال، فَلَمَّا كان الضعف يبيح الفطر ويوجب القضاء كان كذلك الحيض.
واستُضعِفَ هذا الْمأخذ بأن الْمريض لو تحامل فصام صحَّ صومه بخلاف الحائض، وأن الْمستحاضة في نزف الدم أشدُّ من الحائض وقد أبيح لها الصَّوْم.