الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٠٧وقيل: الْمراد بالبر هنا البرّ الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس الْمراد به إخراج الصَّوْم في السفر عن أن يكون برا؛ لأن الإفطار قد يكون أبرّ من الصَّوْم إذا كان للتقوي على لقاء العدوّ مثلا، وهو نظير قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ…الحديث»، فَإِنَّه لم يرد إخراجه من أسباب الْمسكنة كلها، وَإِنَّمَا أراد أن الْمسكين الكامل الْمسكنة الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحي أن يسأل ولا يفطن له.
وَأُجِيبَ عن الثَّالِث: بأن الحديث في بعض طرقه ضعف، وفي بعضها وقف وانقطاع، وعلى تقدير صحته فهو محمول على ما تقدم أَوَّلاً حيث يكون الفطر أولى من الصَّوْم.
وَأُجِيبَ عن الرابع: بأن قوله: «وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - » مدرج في الحديث، وأَنَّهُ من قول الراوي، وعند مسلم من طريق الليث عن /152/ الزهري ولفظه: «حتى بلغ الكديد أفطر». قال: «وكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَّبِعُونَ الأَحدَثَ فَالأَحدَثَ مِنْ أَمرِهِ»، وأخرجه من طريق سفيان عن الزهري قال مثله.
قال سفيان: لا أدري من قول من هو، ثُمَّ أخرجه من طريق معمر ومن طريق يونس، كلاهما عن الزهري. وبيَّنَّا أَنَّهُ من قول الزهري، وبذلك جزم البخاري في الجهاد.
قُلْتُ: لكن ثبتت هذه الزيادة من غير طريق الزهري، فقد رواها الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عَبَّاس، وذكر الحديث الْمتقدم، فالظاهر أَنَّها من قول ابن عَبَّاس. ومع ذلك فلا توجب نسخا لجواز الصَّوْم للمسافر؛ بل غاية ما فيه أَنَّهُ يَدُلُّ على جواز الإفطار، وهو آخر الأمرين.
وَأَمَّا نسبة من صام إلى العصيان فلمخالفتهم العزيمة في ذلك اليوم خاصَّة.