معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 5 في الصوم

الجزء ١١ · صفحة ١٣٦

وفي الحديث عن عائشة: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ (قَطُّ) إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ». وفي رواية عنها: «لَمْ يَكُن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَر مِنْ شَعْبَان».

واختلف في الحكمة من إكثاره - صلى الله عليه وسلم - من صوم شعبان: فقيل: كان يشتغل عن صوم الثلاثة أَيَّام من كُلّ شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان. وقيل: إن نساءه كنَّ يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان.

وَتُعُقَِّبَ: بأَنَّهُ عكس ما ثبت عنهن أَنَّهُن كن يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأَنَّه ورد أن ذلك لكونهن كن يشتغلن /199/ معه - صلى الله عليه وسلم - عن الصَّوْم.

وقيل: الحكمة في ذلك أَنَّهُ يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصَّوْم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطَوُّع بذلك في أَيَّام رمضان.

وقيل: إن الأعمال ترفع في شعبان، وأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحبُّ أن يرفع عمله وهو صائم، وفي ذلك حديث عن أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله، لَمْ أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان"، قال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفَلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَب وَرَمَضَان، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِم». ونحوه من حديث عائشة، لكن قال فيه: «إِنَّ اللهَ يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيتَةٍ تِلْكَ السَّنَة فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِم».

ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر /200/ بأن يحمل النهي على من لَمْ يدخل تلك الأَيَّام في صيام اعتاده.

٣٬٥١٤ / ٣٬٧٥٢