الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٣٧واستشكل بأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يكثر من الصَّوْم في الْمحرم مع قوله: «إنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ مَا يَقَعُ فِيهِ».
وَأُجِيبَ: بأَنَّهُ يحتمل أن يكون ما علم ذلك إِلاَّ في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصَّوْم في الْمحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار بالسفر والْمرض مثلا ما منعه من كثرة الصَّوْم فيه، والله أعلم.
الْمَسْأَلَة الثانِية: في أن كمال شعبان سبب لوجوب الصَّوْم برمضان
وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَينَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّة ثَلاَثِينَ». وفي لفظ: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة عِدَّة شَعْبَان».
وقالت عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَحفَّظُ مِن هِلاَلِ شَعبَان مَا لاَ يَتَحَفَّظُهُ مِن غَيْرِه، يَصُومُ لِرُؤيَةِ رَمَضَان فَإِن غُمَّ عَلَيهِ عَدَّ ثَلاَثِينَ يَومًا ثُمَّ صَامَ».
وبظاهر هذه الأحاديث بل بصريحها أخذ جمهور الأمة، إِلاَّ ما روي عن ابن عمر: أَنَّهُ ذهب إلى أَنَّهُ إن كان الْمغمى هلال أَوَّل الشهر صام /201/ الناس اليوم الْمعروف بيوم الشكّ.
وروى عن مطرّف بن الشخير -وكان من التّابعين- أنّه إذا غمّ الْهلال اعتبر الْحساب بسير الشّمس والقمر، ومثله روى عن الشّافعي أنّه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنّجوم ومنازل القمر ثُمّ تبيّن له من قبل ذلك أنّ الْهلال مرئي وقد غمّ فإنّه يعتقد الصّوم ويُجزئه. ونَحوه عن ابن سريج من الشافعية، وابن قتيبة من الْمحدثين؛ فإنّهما قالا: فاقدروه بِحساب الْمنازل.
قال ابن عبد البَر: لا يصحّ هذا عن مطرف، وأمّا ابن قتيبة فليس هو مِمّن يعرج عليه في مثل هذا. وقال غيره: الْمعروف عن الشّافعي ما عليه الْجمهور.