الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٤٣فإن أصبح مفطرا وهو قد رأى الْهلال بنفسه لزمه عندنا ما يلزم الْمفطر في رمضان وعليه الكفّارة، وخالف أبو حنيفة فقال: لا كفّارة عليه إن أفطر؛ لأنّه لَم يَحكم برؤية الشّهر حاكم فيلزم من إفطاره الكفّارة، وهو خلاف السّنّة؛ فالنّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يوجب الصّوم برؤية الْهلال، وأبو حنيفة يقول بِحكم الْحاكم.
وكذلك اختلفوا في الإفطار برؤيته إذا رآه بنفسه: فذهب /209/ أكثر أصحابنا والشافعي وابن الْمنذر إلى أنّه يفطر إذا رآه.
زاد أصحابنا أنه يفطر سرّا؛ لئلا يدخل التّهمة على نفسه، ولئلاّ يقتدي به العوام، وهو ليس بِحجّة عليهم في ذلك، قالوا: وإن أظهر الإفطار عوقب على قدر ما يراه الْحاكم العدل.
وقال أبو سعيد: إذا كان ثقة مأمونا فلا يعجبنِي أن يكون عليه عقوبة في إظهار ذلك. قال: وإن كان متّهما في ذلك أعجبنِي أن يُمنع من ذلك، فإن لَم يَمتنع عوقب. وقال غيره بسقوط ولايته إن كانت له ولاية.
وفي القواعد والإيضاح: يفطر سرّا؛ لئلاّ يبيح البَراءة من نفسه، قال في الإيضاح: لأنّه غير مصدّق في ذلك؛ لأنّا لا نصدّق كُلّ من ادّعى إباحة شيء حرّمه اللّه - عز وجل - في حقّنا بغير بيان.
وأنت تدري أنّ البراءة لا تقع على الاحتمال، وأنّه وإن كان غير مصدّق فقوله يَحتمل الصّدق وهو أمين نفسه، فالأولى التّعليل بِما سبق.
ومن رأى هلال شوال وحده وصدّقه أهل بلده: قال أبو الْحواري: لا يَجوز لَهم ذلك، ولا يَجوز له أن يظهر فطره، قال: وإن أكلوا كان عليهم الكفّارة وعليه التّوبة، وهو مبنِيّ على قول من لا يرى الواحد حجّة في الإفطار وإن كان عدلا، وهو القول الْمشهور، وعليه العمل /210/ عند الأصحاب، ويلزم التّرخيص على القول الثاني.
وقال مالك بن أنس والليث بن سعد وأحْمد بن حنبل: إذا رأى هلال رمضان وحده صام، وإذا رأى هلال الفطر لَم يفطر.