الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٤٢وفي الْمسألة قول ثالث وهو: أنّه إن رئي أمام الشّمس فهو هلال الليلة الْماضية، وإن أبصر خلف الشّمس مِمّا يلي الْمشرق فهو هلال الليلة الآتية.
قال الشيخ إسْماعيل: وسبب الْخلاف التّحرّي في ما سبيله التّحرّي، والرّجوع إلى الآثار الْمرويّة عن عمر بن الْخطاب - رضي الله عنه - ، قال: واحتجّ أصحاب القول الأول بِما روي عن أبي وائل أنّه قال: "أتاني كتاب عمر أن الأهلّة بعضها أكبر من بعض، وأنّها إذا وفت رئيت بالنّهار، فإذا رأيتم الْهلال فلا تفطروا حتّى يشهد رجلان أنّهما رأياه بالأمس".
وهذا يدلّ على أنّ الْهلال من الليلة الْمستقبلة ولو رئي قبل الزوال، ولولا ذلك ما احتاج الإفطار إلى شهادة رجلين أنّهما رأياه بالأمس.
واحتجّ الشيخ عامر للقول الثاني بالقياس والتّجربة، وذلك أنّ القمر لا يرى والشّمس بعد لَم تغب إِلاَّ وهو بعيد عنها؛ لأنّه حينئذ يكون أكثر من قوس /208/ الرّؤية.
وذكر الشيخ إسْماعيل: أنّ عمر بن الْخطّاب بلغه أنّ قوما رأوا الْهلال بعد الزّوال فأفطروا، فكتب إليهم يلومهم فقال: "إذا رأيتموه نَهارًا قبل الزّوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد الزّوال فلا تفطروا"، وهو مُخالف لأثر أبي وائل عنه، وكأنّه - رضي الله عنه - قد تغيَّر اجتهاده في ذلك، فأمر مرّة بكذا وأخرى بكذا، وهو يدلّ على تسويغ الأمرين، ولا يدرى أيّهما الآخر منه، والله أعلم.
الأمر الثاني: فيما إذا رأى الْهلال وحده
اتّفق أصحابنا وأكثر العلماء من قومنا على أنّ من أبصر هلال الصّوم وحده أنّ عليه أن يصوم، وزعم بعض قومنا: أنّه لا يصوم إِلاَّ برؤية غيره، ونسب إلى عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه.