معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 5 في الصوم

الجزء ١١ · صفحة ١٤٩

وأمّا مسألة عرفة: فإنّ النّاس قد أدّوا ما عليهم بِحجّةٍ أوجب اللّه عليهم اتّباعها /218/ في حكم الظّاهر، وألزمهم أداء الفرض بِها.

ولا كذلك هذا الصّائم الْمتحرّي؛ فإنّ مبنَى أمره على التّحرّي والاجتهاد، وهو ظنّ وتَخمين، فإن وافق فقد وافق، وإن أخطأ فقد أخطأ، وليس الأمر الْمبنِيّ على الْحجّة كالأمر الْمبنِيّ على التّحرّي، فظهر الفرق، والعلم عند اللّه.

الْمسألة الرّابعة: في شهرة الْهلال

وهي على صنفين: صنف يوجب العلم الضّروري الذي لا يُمكن دفعه، والآخر يوجب ظنّا راجحًا واطمئنانة قويّة تنْزع الرّيب، وتنفي الشّكّ.

فأمّا الصّنف الأوّل: فهو أن يبلغ الْخبَر مبلغ التّواتر، وهو ما نقلته جَماعة عن جَماعة متّصلة في ما بين الْمخبِّر والْمخبَّر عنه مِمّا لا يصحّ عليه التّواطؤ، ولا التّوافق على الكذب، ولا اتّفاق الْهمم، ولا دعاهم إلى ذلك اعتقاد مذهب، ولا إلْحاد، يكون أصل علمهم بذلك عن مشاهدة، وكلّهم عقلاء، ولا يشترط أن يكونوا عدولا.

وحدّها أبو نبهان بأنّها تظاهر الأخبار الْموجبة على ظهورها في الدّار لدفع كُلّ شكّ، ورفع كُلّ شبهة، ونفي كُلّ ريبة، حتّى لا يَجوز /219/ أن تلحقها على صحّتها تُهمة، ولا أن يبقى معها شيء مِمّا يدفعها بالعدل فيردها ويَمنعها. وهذا الصّنف من الشُّهرة يوجب العلم والعمل، وهو حجّة في الْهلال وغيره، فيجب بِها الصّوم والإفطار وغيرهُما من الأحكام.

قيل لأبي نبهان: وإذا جهل أحد حجّة الشّهرة وصام ذلك اليوم بعد قيام حجّتها عليه، أيكون هالكًا؟ قال: هكذا يبين لِي من قول الْمسلمين فيه بعد قيام الْحجّة عليه بتحريم صومه؛ لأنّها حجّة عليه في قولِهم، فكيف يَجوز له دفع حجّتها وتكذيبها بعد صحّتها، أو الشّكّ فيما أدّته على الصّحيح إليه من ذلك؟

٣٬٥٢٧ / ٣٬٧٥٢