الكتاب 5 في الصوم
الجزء ١١ · صفحة ١٥٠قلتُ: ووجهه أنّ الشّهرة توجب العلم اليقين باتّفاق الْمسلمين، وأن تارك ذلك يكون تاركا لعلمه، فهو إنّما صام يوم الفطر تعمّدا، وذلك حرام بإجْماع الْمسلمين.
وأمّا الصّنف الثاني من الشّهرة: فهو أمر دون الأول، وإنّما هو استفاضة الأخبار، وانتشار ذلك، وغلبة صدقه على الظّنّ، وأقلّه: أن يقول ثلاثة من أهل الْجملة: إنّا قد رأينا هلال رمضان اللّيلة، أو البارحة، /220/ أو ليلة كذا وكذا. فقيل: قولُهم في ذلك جائز.
وكذلك إن قال ذلك ثلاثة عن ثلاثة، أو ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، أو ثلاثة عن أمينين، أو أمينان عن ثلاثة، فذلك كلّه يوجب ظنّا غالبا، واطمئنانة راجحة، وإنّما جعلوا أقلّ ذلك ثلاثة فصاعدا؛ لأنّ أقلّ الْجمع ثلاثة، قيل: وهو أدنى ما يلزم به التّواتر في الأخبار.
والْمرأتان من أهل الْجملة بِمنزلة رجل واحد من أهل الْجملة، ولا يَجوز قول النّساء وحدهنّ إِلاَّ في الْمواضع التِي تَختصّ بِها النّساء دون الرّجال.
وقد اختلف أصحابنا في قبول هذا الصّنف من الشّهرة:
فقيل: لا يَجوز قبولُها، ومال إليه أبو نبهان. وقيل: إن كان فيهم ثقة من الْمسلمين فهي أقرب مِمّا إذا لَم يكن هنالك ثقة. وقيل بقبولِها إذا اطمأنّ القلب إلى صدقها، وزال ريبه من التّهمة بكذبِها، وذلك في الصّوم والإفطار، وعلى هذا القول فتوى القدماء من أصحابنا.
وفي الأثر: إذا كثُرت الأخبار برؤية الْهلال ولو كانوا غير ثقات، وغلب على الظّنّ أنّهم صادقون فحرام الصّوم. وقال أبو القاسم سعيد بن قريش: إنّ الفسّاق إذا قالوا رأوا الْهلال، وكان في البلد عدول ثقات لَم يقبل قولُهم، ولَم يكن /221/ ذلك حجّة، وأمّا إذا لَم يكن في البلد عدول ولا ثقات كان قول الفسّاق حجّة.