معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 5 في الصوم

الجزء ١١ · صفحة ٢١٤

فَلَمَّا اجتمعنا على أن الناسي لا شيء عليه وجب الوجه الأخير، وهو العمد الذي أراده النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه، إذ ليس عندكم أنَّه أخَّر جنابته تعمدا لتأخير الغسل حتى أصبح، ففيما بينَّاه دليل على فساد معارضتكم.

فإن قال: إن المجامع يسمى جنبا في اللغة، فما أنكرتم أن يكون قول النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : «مَن أَصبَحَ جُنُبًا» أي: مجامعا؟ قيل له: هذا ليس بمشهور في اللغة. فإن كان جائزا فهو لنا دونكم؛ إذ الجنب يشتمل على اسمين، فنحن تعلقنا بالعموم فمن ادعى التخصيص كان عليه إقامة الدليل. /329/

فإن قال: فإن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع إلى آخر الليل، وأوجب الغسل من الجماع، فإذا كان الأكل والجماع أبيحا إلى آخر وقت الليل وقد أوجب الغسل من الجماع، فيجب أن يكون وقته بعد الليل؟.

قيل له: إذا كان قد زجرنا عن تأخير الغسل على لسان نبيه بقوله: «مَن أَصبَحَ جُنُبًا أَصبَحَ مُفطِرًا» علمنا أَنَّهُ قد خص بعض هذه الجملة من هذا الوقت الذي كان أباحه لنا، فأدخله في حيز ما حظره علينا في حكم النهار؛ إذ الغسل من أحكام الجماع الذي منعنا منه ومن قليله في النهار، ألا ترى أن الصلاة لها أول وآخر فالمتعبد بوقتها يوقعها فيه أي وقت شاءه منه، ومع ذلك لا تجوز إلاَّ بالطهارة؛ فقد أخذت الطهارة وقتا من أوقات الصلاة، كذلك الغسل من الجنابة خصَّ له وقتا من أوقاته.

والمعنى: أن الصلاة يسع تأخيرها في وقتها حتى يبقى من الوقت ما لا يسع إِلاَّ فعلها، وفعل وظائفها اللازمة من الطهارة والوضوء، فإذا انتهى إلى هذا الحد ضاق عليه التأخير، وهلك المؤخر عامدا؛ فوظائف الصلاة أخذت جزءًا من وقتها حيث كان لابدَّ منها، وكذلك الجماع /330/ في ليل رمضان، يجب أن يكون في وقت يسعه ولوازمه من الغسل، فالغسل في حق الصائم كوظائف الصلاة في آخر وقتها، والله أعلم.

الطرف الثاني: فيما يلزم من أصبح جنبا وهو صائم في رمضان

٣٬٥٩٢ / ٣٬٧٥٢