الكتاب 6 في الاعتكاف والنذور والفهرس
الجزء ١٢ · صفحة ٨الْمَسأَلَة الرابعة: في العمل الذي يستمر عليه المعتكف
وذلك أَنَّهُ حبس نفسه للقربة، فيستمر على عمل مخصوص من العبادة، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى خاصة؛ لأَنَّ المفهوم من الاعتكاف حبس النفس على الأعمال المختصة بالمساجد.
وفي أثر أصحابنا: ينبغي للمعتكف أن يكون مصليا أو قارئا أو نائما.
وقِيلَ: له أن يفعل جميع أعمال البر المختصة بالآخرة من شهود الجنازات، ودرس العلوم وغيرها.
وعند هؤلاء أن المراد من الاعتكاف: حبس النفس على القرب الأخروية. /437/
وروي عن علي أَنَّهُ قال: من اعتكف فلا يرفث، ولا يسب، وليشهد الجماعة والجنائز، ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس.
ومنع آخرون المعتكف من شهود الجنازة وعيادة المرضى، وكانت عائشة لا تعود مريضا إِلاَّ إذا كان على طريقها.
ولا بأس على المعتكف أن يتحدث بما لا إثم فيه؛ لِما روي «أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - زَارَتْهُ فِي الْمَسجِدِ وَهُوَ مُعتَكِفٌ، فَتَحَدَّثَت مَعَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ لِتَنقَلِبَ، فَشيَّعَهَا إِلَى بَابِ الْمَسجِدِ».
ولا بأس أن يأمر بقضاء حوائجه، وما فيه مصلحة لمعاشه، ويعقد النكاح ويتطيب.
وقِيلَ: للمعتكف أن يعلم ويتعلم، وأن يصحّح شيئا من كتب الآثار مع غيره في معتكفه.
وقِيلَ: له أيضا أن يكتب للناس صكوكهم؛ لأَنَّ ذلك كله من الطاعات المأمور بها، وله أن يأتي مَجالس العلماء في الْمَسجِد.
وقال مالك بن أنس: لا يشتغل في مجالس العلم، وكرّه أن يكتب العلم، واستحب ذلك له ابن المنذر. وأقره أبو سعيد، واحْتَجَّ له بأنه من أفضل /438/ أمور الآخرة. قال: ولا يعجبني أن يكتب العلم بالأجرة، وإن احتاج إلى الأجرة لقوته فَإِنَّهُ يقصد في الكتابة تخليد العلم والحث عليه.
قلت: لا بأس بقصد الأجرة للمحتاج إليها لقوته، وهو أولى عندي من قصد غيرها ثُمَّ يأخذها.