الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٦٢ولاَ وجه لِهَذَا التحديدِ؛ لأَنَّا قَد اتَّفَقنَا نَحن وإيَّاهُم عَلَى أنَّ القيء إِنَّمَا يَنقض الْوُضُوء لِكونه خارجا نَجسا، وهَذِهِ الصفة مَوجُودة في قليل القيءِ وكَثيره.
ثُمَّ إنَّ حدَّ الكثير بِملء الفم لا وجه له أَيضًا؛ لأَنَّ الْمقادير أمور لا تُعلم إِلاَّ مِن الشارع، وقَد أمر الشارع عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام بالْوُضُوء مِن القيء مِن غَيْر تَحديد له بِحدٍّ، ومِن غَيْر أن يعتبر فيه قَليلا أو كَثيرا.
وقد تنبَّه زُفَر لِهَذَا الإلزامِ، فَقَالَ: قَليله وكثيره سَواء في نقض الْوُضُوء وهو الْحَقُّ وإن خَالفوه، وَالله أَعلَم.
الْفَرعُ الثاني: في القلس
وهو: اليَسير مِن القيء.
وفرق بَعْضهم بينَ القيء والقلس بأنَّ القلسَ ما كَانَ ملأَ الفم فمَا دون ذَلِكَ، فإن زاد عَلَى مِلء الفمِ فهو القيء، فجَمِيع مَا خرج من الْجَوْفِ من قَيء أو قَلس أو ماءٍ أو مرَّة ناقض للوُضُوء إذَا كَانَ قادرا عَلَى لفظه.
ومَن قلس فوجد حُموضة من حَلقِه؟ قال الرَّبِيع: ما لَمْ يَبلغ القلس اللسان فلا وُضُوء عَلَيهِ، وَكَذَلِكَ قالَ موسى بن أبي جابر.
وقد استحبَّ أبو عبيدة - رضي الله عنه - التوضُّؤ من القلسِ إذا وجد الإنسانُ طعمه في الْحَلق وَإن لَمْ يَبلغ حدَّ الفم. وجزمَ صَاحِب الْمُصَنَّف بالنقضِ في مِثل ذَلِكَ.
والصواب أن لا نقض؛ لأَنَّ الْوُضُوء مُتيقّن والناقض مَشكوك، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الْوُضُوء لا يَنتقض بالشكِّ. والاستِحْبَاب الذي رَآه أبو عبيدة إِنَّمَا هو عَلَى جهة الاحتياطِ للوُضُوء.
وقال أبو عَبد الله: /213/ إنَّ كُلَّ واحد من الطعام والْمَاء إذا خرجَ مُتغَيِّرا نَقض الْوُضُوء وَالصوم، فَإِذَا لَمْ يَكن مُتغَيِّرا حُلوا ولاَ حامضا فلاَ بأس به.
وعَن مُنازل بن جيفر: إذا طَلع الْمَاء مِن حينه لَمْ يفسد إذا كَانَ ماء حَدِيثًا، وبذَلِكَ قالَ أبو صالح بن الْمبارك بن جِيفر.