الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٦١فهَذِهِ الأحاديث دالَّة عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء مِن الدم، وهي أحاديث قَوليَّة، وما احتجَّ /212/ به الشافعي فِعل، والفعل لا يُعارض الْقَوْل لاحتمالِ أَنَّهُ كَانَ مَخصُوصا بذَلِكَ.
وَالْحُجَّة لنا عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء من الْخَارِج النجس مِن غَيْر السَّبِيلين ما رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَن أَصَابَه قَيءٌ أَو قَلَس أَو مَذي أَو رُعَافٌ وَهُو في صَلاتِه فَليتَوَضَّأ»، وحَدِيث: «من قاءَ أو قَلس فليتَوَضَّأ»، وما تَقَدَّمَ من حَدِيث سلمان وغَيْره، فكل هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء من الْخَارِج النجس من غَيْر السَّبِيلين.
وأَيضًا: فظَاهِر قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهكُمْ…الآية﴾ يَقتضي الإتيان بالْوُضُوء لِكُلِّ صَلاَة وترك العمل بالظَّاهِر فيما لَمْ يَخرج الْخَارِج النجس من البدن بدَلِيل، فيبقى الظَّاهِر معمولا به عِندَ خروج الْخَارِج النجس، وَالله أَعلَم.
وأَيضًا: فدَم الرعافِ دَم عِرق فَهو نَجس؛ لِقَولِه - صلى الله عليه وسلم - «دَمُ الاستحاضَةِ دَمُ عِرقٍ نَجِس»، فَاقتضى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ دم عرق نَجس، وكلُّ ما كَانَ نَجسا فهو نَاقض للوُضُوء، فثَبت نقض الْوُضُوء بالرعافِ مِن الكِتَاب والسُّنَّة وَالقياس، وإِنَّمَا كَانَ دَم الرعافِ نَاقضا للوُضُوء لِكَونه نَجسا، فكلُّ خَارج نَجس فهو في حُكم الرعاف، وَالله أَعلَم. وَفي هَذِهِ المسألة فروع:
الْفَرعُ الأَوَّل: في القيء
وهُو مَا تَدفعه الطبيعة مِن الطعام فتردّه من الْجَوْفِ إِلَى أن يَخرج إِلَى الْحَلق، وهو ناقض للوُضُوء، قَليله وكثيره خِلاَفا للحنفيَّة القائلين بأنَّ قليل ذَلِكَ لاَ يَنقض، وإِنَّمَا يَنقض الكثير، وضبطُوا الكثير بِملءِ الفم.